الفيتوري زنجي يصنع الشعر    

 

د . صباح ايليا القس

 

يقول الجاحظ ( الشعر صناعة ) والصناعة هنا تكون بمعناها المجازي , اي بمعنى الابداع الادبي المبني على تراكم الخبرات ولا يمكن ان يخطر على بالنا ما يصنعه النجار والحداد وغيرهما من المهن الاخرى .

الفيتوري صانع الكلام والكلام هنا يعني الشعر الذي هو وسيلته وصناعته التي سيواجه بها الآخرين .

يقول عن نفسه :

صناعتي الكلام

سيفي قلمي

وكل ثروتي شعور ونغم

يمكن ملاحظة ارتباط السيف والقلم وهما الوسيلتان اللتان بوساطتهما يمكن ان يحارب ويفرض نفسه بوصفه ثوريا وقائدا نضاليا متحديا الاغراب .

وهو وان جاء بمفردة السيف ولكنه ليس ممن يقصدون القتال بل هو سيف القلم وهذا ما يدل عليه قوله ( سيفي قلمي ) اي انه ليس من دعاة المعارك والحروب والدماء بل ان صراعه مع الآخرين يكون بوساطة القلم الذي يكون احيانا اكثر قدرة وفاعلية من سيوف كثيرة وهو هنا يقف بالضد من بيت أبي تمام في قوله مادحا السيف :

السيف أصدق انباء من الكتـــــب     في حدّه الحدُّ بين الجَدِّ واللعـــــب

وما يؤكد قولنا في تفضيل القلم وعدم اللجوء الي السيف وإراقة الدماء والموت بالجملة وما تجره الحروب من كوارث وفجائع قوله ( الشعر هو حسب تصوري الخاص , التعبير بموسيقى الكلمات عن الدراما والصراع في العالم . هو تعبير عن هذا الصراع الازلي والعميق فيما بين الانسان ونفسه , وما بين الانسان ومجتمعه , وما بين الانسان وقدره وهذه هي قضية الشعر منذ أن عرف الانسان الشعر ) .

هذه هي فلسفته ورؤيته لدور الشعر في الحياة لانه صاحب قضية انسانية وحقوق وطنية اذ يلجأ الى الشعر العنيف والكلمات والافكار الساحقة التي ربما يجدها اكثر قوة من اداء السيوف والبنادق ..

إن صناعة الشعر التي مر الحديث عنها تعني المران والدربة والتقليد والحفظ حتى تتكثف القدرة على القول ومع الاستمرار في متابعة دواوين الشعراء السابقين لاسيما ممن عرفوا بالابداع الشعري عبر العصور الادبية ابتداء من الجاهليين وحتى شعراء العصر الحديث مما عاصرهم واطلع على شعرهم بل وحفظ شيئا من قصائدهم ..

إن من يكون الوطن همهم والحرية هدفهم ستكون الثورة في صدورهم وهم حتما سيتجاوزون التقليد الى مرحلة الابداع والتميز بل والحصول على موقع ضمن الخارطة الشعرية بوساطة الانجاز المتحقق والخصوصية المتفردة التي اشتمل عليها شعر الفيتوري سواء على صعيد الشعر الثوري ام الشعر الوجداني اذ لا يمكن ان يتخلى الشاعر الثوري عن خصوصيته الوجدانية فهو اولا واخيرا انسان حساس له عواطف واحلام وامنيات تشتبك مع الهموم الوطنية ..

ان من بواكير شعره التي حقق فيها حضوره ودل على نفسه بوصفه شاعرا له خطه الفكري الخاص واسلوبه الفني المتميز هذه القصيدة التي يركز فيها القول على خصوصيته اللونية معترفا ومتباهيا بسواده ومقارنا بينه وبين الرجل الابيض الذي يرمز الى الاستعمار الذي يفرض العبودية على الآخرين بل وينظر اليهم بوصفهم أقل شأنا في مسيرة الانسانية .

يقول :

ألئن وجهي أسود

ولئن وجهك ابيض

سميتني عبدا

ووطئت انسانيتي

وحقرت روحانيتي

فصنعت لي قيدا

لا يا أخي

ان التهاب مشاعري هيهات بعد اليوم أن يهدأ

عند قراءة القصيدة بتمعن نجد ان الفيتوري قد لخص ما يعتمل في ذاته من ثورة وشخّص واقع الحال بوساطة هذه الكلمات القليلة فالدلالة واضحة بين الابيض والاسود فضلا عن الاشارة الى العبودية التي يشار اليها بوصفها لا تتناسب مع معطيات العصر بل والاشد مرارة هو عدم احترام الكرامة والروحانية البشرية والانسانية اذ هذه مجتمعة تشكل القيد والسلاسل التي ترفضها النفس الثورية الصاعدة في روح الشاعر .. هذا الحقد العنصري والاستبدادي ألهب المشاعر التي لن تهدأ في نفس الشاعر ممثلا عن كل الشعوب الساعية للتحرر والخلاص .

 

قد يعجبك ايضا