د . صباح ايليا القس
الكل يبحث عن جمالية الشعر, الشاعر والناقد والمتلقي والكل يبحث من جانبه عن وسيلة يجد فيها ما يشعره بالسعادة والمتعة والفرحة وهو يقرأ قصيدة بغض النظر عن نسقها النظمي سواء كانت على طريقة البحور والقافية ام قصيدة التفعيلة ام قصيدة النثر او غيرها من المسميات التي تتجدد بتجدد الذائقة والتطور القرائي او النظريات النقدية المعاصرة .
القيم تتوزع على مفردات تسعى جميعها الى اظهار جمالية القصيدة فبعض المتلقين يبحث عن المعنى الذي تفلسفه القصيدة والآخر يبحث عن الاداء اللغوي والاخر يطرب الى انسيابية الموسيقى الشعرية وربما هناك من يبحث عن الجانب اللغوي ومدى توافقه مع موضوع القصيدة , فالمدح له قوالبه والرثاء له مواصفاته وكذلك الهجاء له مفرداته الخاصة وعلى هذا يكون التقييم وعلى هذا يسعى النقاد الى محاسبة الشعراء الا المتنبي الذي تجاوز الجميع حينما قال :
أنــام مــلء جفونــي عــن شواردهـــا ويسهــر الخلــق جرّاهـــا ويختصمــوا
وليتهم توقفوا عند هذا الجانب غير انهم يحاسبون الشاعر عن الجديد في قوله من حيث المعنى والمبنى وهل استطاع الشاعر ان يبتكر معنى جديدا لم يسبقه اليه الآخرون حين ذاك تكون درجة الرضا عالية وتتقلص درجة الرضا عندما يجدون الشاعر قد كرر قولا قاله القدماء فتكون وقفتهم معارضة لما جاء به الشاعر من ثرثرة لا جديد فيها وهذا الامر ينطبق على اللفظ ايضا حيث يبحثون عن المطابقة فاذا وجدوا تقاربا في اللفظ عند بناء معنى جديد اشاروا اليه وقللوا من شأن الشاعر اذ ان لديهم حافظة قادرة على استذكار مجمل المرويات الشعرية القديمة الى العصر الذي هم فيه .
نستطيع ان نقرر ان نظرية النظم التي جاء بها الجرجاني لم تعد صالحة في ايامنا هذه عند ممارسة عملية النقد لا سيما بعد ضمور الحافظة وضعف الذائقة الشعرية المعاصرة التي تشغلها الوسائل الاعلامية المتعددة .
الادب برمته هو تجسيد لمظاهر الحياة الا الشعر الصوفي الذي ينطلق مع صفاء النفس في مناجاة الذات الالهية ذلك الذي يبتعد عن الواقع ملتحقا بنداء الحق عند صفاء النفس .
الادب والشعر على وجه الخصوص هو من الحياة الى الحياة عدا ما ذكرنا من الشعراء الصوفيين فالغزل والمدح والهجاء والوصف وغير ذلك من اغراض الشعر هي فنون تعالج واقع الحياة ويعتمد نجاح الشاعر على قدرته الابداعية وتحصيله المعرفي واللغوي وتدخل في ذلك ايضا هموم الحياة وما فيها من تفصيلات ودقائق قد لا يدركها العوام لكن حساسية الشاعر تلتقطها وتدخلها في مختبر العقل والعواطف لتكون القصيدة في النهاية خلاصة دقيقة لتلك التجربة على ان لا تكون خالية من الفائدة التي ينتظرها المتلقي حينها تفقد بريقها الجمالي وتنسف معيارها الاخلاقي في احترام الآخر المتلقي فالناس تنتظر ان تشتمل القصيدة على هذين المعيارين لكي يتلذذ المتلقي من حيث المبنى والمعنى وكلاهما مطلوب لاستكمال العمل الابداعي ..
الشاعر يعني الالتزام ويعني احترام الآخر ويعتمد نجاح الشعر والشاعر على تمازج هذين العنصرين اللذين حتما مع طراوة الفكرة وليونة الاسلوب ينجزان الجانب الاقناعي والامتاعي وتكون الحصيلة نجاح الشعر ونجاح الشاعر ونجاح المتلقي بغض النظر عن نوعية الموضوع المطروح .