حوا بطواش
هذا الصّباح، أطلّت علينا الشّمس الدّافئة، بعد أيّام متواصلة من المطر، باستحياء أطلّت من بين الغيوم، ترسل أشعّتها النّاعمة لتملأ الأرض بهجةً وإشراقا.
إنّه أجملُ الصّباحات، تفوح منه رائحة الأرض بعد المطر، أكثرُ الصّباحات صمتًا، يبعث السّكينة في النفس، يُنسي البال ما كان بالأمس يشغله، ويملأ النفس فرحًا لا يشبهه فرح. صباحٌ باردٌ بردًا يوقد الأشواق، مغسولٌ بماء المطر وقطرات النّدى. صباحٌ يغري بالكتابة.
شكرا
يمتلئ البال بالخواطر كلّ يوم طوال الأسبوع، معظمها تذهب وتتلاشى في غمرة الأحداث وتسارع الأيام، لكنّ ما يبقى محفورًا في الذّات هو أكثرها صدقًا وعمقًا.
هذا الأسبوع تذكّرتُ جدّي مرة أخرى، عندما سمعتُ أغنية «شكرا»*:
شكرًا لأبطال الحكاية كلّهم
من شكّلوا فينا الحقيقة والخيال
فلكلّ فصل في حياتي قصةٌ
ولكلّ سطرٍ ما يُقال وما يُقال
يقولون إنّنا لا نعرف قيمة الأشياء إلّا بعد أن نفقدها. فكم من مرةٍ لا نقول شكرًا لأناس عبروا من حياتنا، نكتشفُ أنّنا ممتلئون بهم. شكرًا واحدة لا تكفي ولا توفي حقّ جدّي ومنزلته في قلبي، ولا حتى ألف شكر، فهو من علّمني حبّ اللغة العربية، وحبّ الكتب والقراءة وعلّمني ما لم يعلّمني أحدٌ دون أيّ كلام.
وتقول الأغنية أيضا:
شكرًا لمن غرسوا كلامًا طيّبًا
بقلوبنا فغدت ربيعًا لا يزال
ولنا ابتساماتهم كأجمل بُردةٍ
ولهم علينا دائمًا صبر الجبال
وكان السّؤال الذي أثير في بالي: هل هناك فرق بين (شكرا) و (أشكرك) باللغة العربية؟
فخطر لي أنّ شكرًا هي كلمة عامّة جدًّا، تُقال لأيّ أحد، بلا مشاعر خاصّة، وأحيانا كثيرة للمجاملة. لكنّ (أشكرك) هي كلمة موجّهة بشكل خاصّ، محمّلة بالأحاسيس، نابعة من قلبٍ إلى قلب، لها وقعٌ خاصٌّ في القلب، فيها تقرّبٌ، تمييزٌ وامتياز، مملوءة بالمحبة والألفة، تكسر الحواجز بين القلوب.
شكرا أيقظت بي العديد من الأفكار. فقد خطر لي أنّنا لا نستعملها كثيرًا، ليس كما ينبغي ربما، بلغتي الأم الشّركسية، ولطالما كانت مبعثًا للحيرة وربما الحرج لاستعمالها. وقد أكون مخطئة في ذلك.
لماذا؟ هل لأنّها جُملة طويلة؟
«تح ويغبسو» بما يعني: الله يحفظك. وإذا كانت (شكرا) هي (الله يحفظك) فكيف نشكر الله بلغتنا؟ سؤال بقيَ عالقًا في ذهني إلى اليوم بلا إجابة.
هذا الأسبوع أدهشني أحدهم عندما قال لي إنّ طول جملة (شكرا) بالشركسية فيه جُهدٌ وعمقٌ أكثر، وهي تحمل زيادةً في المعنى وتُلغي الغفليّة.
ربما… من يدري*.
خصوصيّة
هذا الأسبوع قرأتُ عن مسلسل «كبرى» الذي يُعرض على نيتفليكس فشاهدتُ الإعلان الترويجي للمسلسل. يظهر فيه رجلٌ وامرأة مستغرقين في حديث، عندما تصل رسالة نصّية إلى الرجل، فتفتح المرأة الرسالة وتقرأها: أنت مختلف.
فتسأله: ما هذا؟
يقول لها: لا أدري.
هل تعرفها؟
لا.
من الواضح أنها تعرفك لأنها تقول لك إنك مختلف.
أنا لا أعرفها حقا.
إن كنت لا تعرفها فلماذا تراسلك؟
لا أدري لماذا، لكنّ هذه المعاتبة للرجل من قبل المرأة بسبب شكّها بأنّه يغازل امرأة أخرى غيرها، والتي نراها ونسمع عنها كثيرا، لا تروق لي. أحسّ فيها شيئًا من الغباء وحتى الإذلال للمرأة، في حال كانت المعاتبة من قبلها، فالحبّ هو الثّقة أولا وأخيرا، وإن ذهبت الثّقة فكيف يبقى الحب؟
تلك المعاتبة أثارت في ذهني مرةً أخرى خواطر عن الغيرة بين الرّجل والمرأة. أين الحدود؟
هل من حق المرأة (لنفرض أنها الزوجة) أن تفتح رسائل زوجها النصّيّة أو رسائله الالكترونية؟