لطيف دلو
اتذكر قليلا من العصر الملكي من يوم عقد قران الملك فيصل الثاني من فتاة تركية وإشاعة خبر بأن الملك والد جميع افراد الدولة لايجوز له الزواج من عراقية باعتبارها اخته او إبنته الى ان اسقط النظام الملكي في 14 تموز 1958 اهم الحدثين اتذكرهما لقلة وسائل الاعلام وكنا نشعربالهدوء والسكينة في القرى والارياف ، لأن في كل قرية او مجموعة سكنية كانت فيها حكومة مصغرة بإدارة الأغا ولكن بقوة الدول العظمى اليوم لها السيطرة على الامور الحياتية من جميع جوانبها ، الآغا هو رئيس الحكومة وله قوى أمنية والقضاء والكمرك ،يديرها بنفسه ، ليس له دستور او قانون يستند إليه ، بل يحكم ما يحلو له وللحق اقول لم اسمع أن يُقتل شخص واحد إلا عن الثأر فيها نادرا ، والحكومة المركزية تتعامل معه دون أي فرد من القرية وفق نظام دشنه الانكليز للسيطرة على مقدرات الشعب وهذه الفترة كانت حصيلة حكم ما يقارب 30 سنة بالحديد والنار وساتولّى ذكر جزأ يسير ماقبله لاحقا كما ورد في كتاب تاريخ الوزارات العراقية باجزاءه العشرة للكاتب عبد الرزاق الحسنى ليعلم الجميع بان الدولة التي يؤسسها الاستعمار بالقوة لاتنعم بالسيادة ولا شعبها بالكرامة وان رحل عنها المستعمر مالم تكن فيها قيادة عفيفة تشارك الشعب المآسي وتصنع التآخي والمساواة بين مكوناته ولم يحظ بها العراقيين بدليل لم يتركوا الحكام اثرا طيبا في نفوسهم ، إما طردوا أو قتلوا بابشع صور .
بعد سقوط النظام الملكي واحلال ما سمي بالنظام الجمهوري حدثت فوضى عارمة في البلاد وشبه انعدام السلطة وبدلا من اقطاعي واحد في قرية او مجموعة سكنية اصبح اكثر من مسلط من ذوي النفوذ في جمع مناصرين له بإشاعات معسولة للغافلين ومعلقمة للمدركين وامتلأت السجون تارة من هذا الحزب او الفئة وتارة لغيرهم كما سمعت من شخص طاعن بالسن بأن احد قادة الانكليز قد قال ( نحن صنعنا دولة العراق بسياسة إن خرجنا منها يصبح المرأ فيها بين سجين وسجان ) ومن ثم بدأت الانقلابات العسكرية المتتالية وفي حالات كثيرة وأخيرا اصبح القتل والنهب مباحا ،لايعرف القاتل لماذا قتل ولا المقتول يعرف لماذا قُتل ولم يستقر الامن الى يومنا هذا وكل مجموعة تستولى على السلطة تنتهج مبدأ الثراء والتعلي والمحسوبية والمنسوبية ومن نظام الى نظام اخر اشد في الثأر والانتقام من النظام السابق دون أن يكون له نهج على ارض انعمها الله بكل الخيرات لبناء ارقى دولة اقتصاديا وزراعيا وصناعيا وسياحيا ولكن لم تنعم بقيادة حكيمة يتفهم تلك النعم وثقافة وتاريخ المجتمع لبناء تلك الدولة التي ليعتبرها المرأ وطنا تحترم فيه كرامته ويتساوى فيه السائل والمسؤل في السيادة والعيش وفق المفهوم الحديث ، وفي ابسط الامثلة ملايين العراقيين خرجوا من ارض الرافدين ارض الخيرات بسبب الحكام الفاسدين يبحثون في ارجاء المعمورة عن وطن تُحترم فيه كرامتهم.
كل الاحداث الآنفة الذكر تعود الى الولادة العسيرة لهذه الدولة بيد الاستعمار لدمجه ثلاث ولايات عثمانية بثقافات متغايرة بدولة واحدة ، ولم يتعامل معهم كما في شبه الجزيرة العربية لكل امير امارة لكونهم متعاونين ومساندين لهم في الحرب ولكن الولايات الثلاث بجميع مكوناتها حاربوهم بضراوة من دخولهم البصرة الى كفري ومن بعد الاحتلال اشعلوا الارض تحت اقدامهم للخروج منها ولكن عدم تكافؤ القوة بين دولة عظمى وشعب شبه عزل حال دون تحقيق ذلك .
والغاية في دمج الولايات الثلاث بدولة واحدة كانت لاستغلال وتيرة الثقافات المتباينة بينها في افشاء الفتنة عند الضرورة وكذلك انتقام لا متناهي عن مقاومتهم كما افصح عنها احد قادتهم آنف الذكر ، وتوج فيصل الحجازي ملكا عليها بسبب سياسي بخس لارضاء الاطراف الثلاث لتحقيق اطماعه بثرواتها الهائلة وعدم الخروج منها ، ولكن حتى بعد الاحتلال وتاسيس المملكة العراقية لم يكن امرا هينا عليهم لو اطلعنا على وقائع الاحداث في كتاب تاريخ الوزارات العراقية آنف الذكر عن الثورات والحروب والمظاهرات التي حدثت في الجنوب والوسط وكوردستان واكثرها من صناعة الاحتلال لبث التفرقة وعدم الايفاء بتعهداته ليؤمنوا لأنفسهم البقاء الدائم فقد صدرت ارادات ملكية بالاحكام العرفية في جميع انحاء العراق لسخونة المعارك في كوردستان صدرت عدة احكام عرفية لمساندة الهجمات العسكرية بالآليات المسلحة والطائرات وتدمير قرى وكذلك معارك عنيفة في بغداد والناصرية والكوت وديالى وفي تلعفر والحبانية ومناطق اخرى .فرضت الاحكام العرفية في جميعها وفي كل جلسة عرفية صورية اعتلت المشانق وامتلأت السجون بالعشرات من المواطنين .
لم يستتب الامن والاستقرار في دولة العراق منذ تشكيلها واسبابها تعود الى هيلكة الدولة التي دشنها الاحتلال لمصلحته لنهب ثرواتها وإن خرجوا منها يدفع العراقيين ثروات بلادهم لاقتناء آلات القتل والدمار منهم لانفسهم في المنازعات الداخلية وعدم التنعم بها ، كانت تلك هي الولادة العسيرة لهذه الدولة بيد المستعمر ومستقبل اعسر بعد خروجهم بأفعال قياداتها أنعدم الأمن والاستقرار ولم يشعر المرأ بوجود وطن يحفظ كرامته ولا سيادة لدولته ، تارة شرقية وتارة غربية وتارة اخرى تحت وصايا اقليمية في عصر العلم والمعرفة.
بعد قرن من سفك الدماء وهدر المال العام والخاص فأنا شخصيا نهبت كل ما اورثته عام 1963 وتركت الدراسة بسببها وكل ما امتلكته بعرق الجبين عام 1991على الهوية ناهيك من انعدام الامان ، لذا اوجب معالجة الوضع السياسي بما يضمن سيادة الدولة وكرامة المواطن وتقرير المصير بيد ابناءه ، أما دولة اتحادية بارادة الشعب ومقومات العدالة والمساوات والدستور والقوانين في ظل هوية وطنية تعددية والشخص المناسب في المكان المناسب والوطن يؤمن كرامة المواطن في العيش الرغيد كما المسؤل أو كل فئة تذهب لحالها في اتفاق اخوي لان الخلافات وإن كانت بوزن القش تقصم ظهر الدولة اقتصاديا وعسكريا واجتماعيا وتشكل عائقا للنجاح والنجاة عند حدوث الكوارث او الحروب وكل فئة تستغل الظرف لنفسها وإلا المناشدات بالوطنية التي تعودنا عليها لم تكن إلا اوهاما للنصب والإحتيال .