ناهــض زقــوت
تبدأ الرواية من حيث ينتهي السرد، بعد أن تصل الساردة إلى ختام تجربتها واستقرارها في الوطن، نجدها في آخر سطر من الرواية تكتب “بدأت العمل على ترتيب أموري وأوضاعي، وها أنا أجلس على شرفتي الجميلة وأدون الذكريات”، كأن النهاية هي بداية السرد، حيث نجدها في بداية الرواية تصف ما تراه من عجيج الحياة أثناء جلوسها على الشرفة في البناية التي سكنتها حديثاً بعد عودتها من فرنسا، وهو ما يعرف بالرواية المدورة، وهو أسلوب من أساليب الرواية الحديثة.
تكشف الذكريات عن الجزء المخفي من حياة الشخصية، الذي لا يمكن معرفته إلا من خلال ذكريات تلك الشخصية، فهي نوع من السيرة الذاتية التي لا تقول كل الحقيقة، بل تسلط الضوء على جانب من شخصيتها يجمع بين الواقع والخيال حينما يتم صياغتها كرواية في محاولة للتفريغ النفسي، أو نوعاً من تأنيب الضمير في حالة عدم رضاها عن أفعالها، أو تكون محاولة من الشخصية لتجاوز الواقع والهروب منه نحو الماضي. في هذه الرواية وذكريات الساردة هي محاولة للتفريغ النفسي بالحديث عن تجربة حياة عاشتها بكل ايجابياتها وسلبياتها، وتسعى لمشاركة القارئ في تفاصيلها، دون أن تمنحه الفرصة ليعبر عن رأيه في ذكرياتها وتجربتها ورؤيتها للواقع، وادانتها للرجل والمجتمع معاً، فهي صاحبة الحق في التعبير وتوجيه القارئ للإيمان بتلك الرؤية التي لم نشعر أن ثمة ادانة للشخصية الساردة، بل هي ضحية لكل من الأسرة، والمجتمع، والرجل، فجميعهم مدانون وسبب معاناتها وأزمتها الاجتماعية والإنسانية.
تتوزع الرواية على سبع عشرة فصلاً، في 273 صفحة. تحمل ذكرياتها ورؤاها وأفكارها والقضايا الاجتماعية التي طرحتها في سبيل كشف ما هو راسخ في المجتمع من عادات وتقاليد وأعراف سائدة منذ زمن قديم وما زال الأبناء يتوارثونها كأنها من مقدسات المجتمع، فأصبحت تلك الأفكار قيم راسخة دون تطور أو تجديد مع العصر. وكانت تلك القيم التي ناقشتها الساردة في روايتها ما زالت تطفو على سطح المجتمع، كالعنف الأسري، والتفريق المجتمعي بين الذكر والأنثى، والزواج التقليدي غير المتكافئ، وعقدة الخوف من عنوسة البنت، وقضايا الطلاق وأسبابها وآثارها، العلاقات الأسرية داخل البيت الواحد. وإلى جانب ذلك كانت ثمة قيم ايجابية حافظ المجتمع عليها: كالتكافل المجتمعي في الأزمات، والعلاقات الاجتماعية الحميمية بين المسلمين والمسيحيين. كما أبرزت الكاتبة تأثيرات الوضع السياسي (الانتفاضة الفلسطينية) على حياة الناس وأحلامهم ومصائرهم، ومشاعر الألم التي تنتاب الأم التي فقدت ابنها شهيداً، وكانت (أم إبراهيم) نموذجاً للأم التي فقدت ولدها (خالد) بما يخالف الصورة التقليدية التي يروجها الإعلام، بأن الأم تزغرد لاستشهاد ابنها، فهي تكشف عن الجانب الآخر لمشاعر الأم التي تعيش أياماً في حالة صدمة وحزن شديد على ابنها “فقد عقدت الصدمة لسانها وانهارت تماماً، فتراها تغفو لبرهة وتصحو دون تركيز”. هذه كانت حالة أم إبراهيم. وتصف مشاهد من الانتفاضة وتأثيراتها على أحوال الناس “أزيز الرصاص، والغاز المسيل للدموع ملأ فضاء المدينة والمدن المجاورة، والدخان لون سماءها بالسواد”، كما حطمت الانتفاضة أحلامها في اكمال تعليمها الجامعي بسبب الاغلاق المتكرر للجامعات، واغلاق الطرق.
ونجد الساردة تستغل حدث الانتفاضة لتعبر عن رؤيتها في مسألة الكفاح والمقاومة كرؤية اجتماعية وليست سياسية، تقول: مسألة الكفاح والمقاومة كرؤية اجتماعية وليست سياسية، تقول: “البعض يظن أن الكفاح والمقاومة يكمن فقط في حمل السلاح، كم هو ساذج هذا التفكير، فكثيرون وكثيرات حملوا سلاحاً من نوع آخر، سلاح مقاومة الفقر والاستغلال لكسب لقمة العيش بشرف وأمانة”. تحاول هنا التوازن بين الكفاح الوطني إلى جانب الكفاح الاجتماعي الذي يحفظ للإنسان كرامته من ذل السؤال.
يشكل الزمان والمكان عنصران متلازمان في العمل الروائي، فلا رواية دون مكان أو زمان. يتخذ الزمان أشكالاً متعددة في العمل الروائي تكون مرتبطة بأحداث الرواية، في هذه الرواية لم يكن ثمة زمان محدد لسرد الأحداث، فهي رحلة حياة ممتدة بدأت ملامحها من السنوات الأولى في بيت الأسرة، وصولاً إلى تبلور زمنها في الانتفاضة الفلسطينية سنة 1987، وتأثيرها على بطلة السرد وتشكل حياتها ومعاناتها. فليس ثمة تقيد بالزمن في هذه الرواية، وإنما يخضع لترتيب الأحداث، فنجدها أحياناً تسرع الزمن “هكذا مضت الأيام بحلوها ومرها”. وكذلك “تمر الأيام ثقيلة كالسنين”. وأحياناً تسترجع الزمن “اليوم، وبعد كل تلك السنين”.
وهنا تبرز التقنية الفنية الحديثة التي استخدمتها الكاتبة في سردها وهي تقنية المفارقة الزمنية في السرد، فسرد الأحداث يأتي بعد زمن طويل من وقوعها، فهو سرد قائم على الاسترجاع، فنجدها تقول أثناء تجوالها في القدس: “في طريق العودة سمعنا صوت الأغاني الوطنية الصادرة عن المحلات التجارية التي كانت تبيع الأشرطة الموسيقية آنذاك، لم تكن الأقراص المضغوطة (CD) معروفة بعد”. وفي الماضي غابت التكنولوجيا وكانت ثمة وسائل أخرى للترفيه، فنجدها تعيد ذكرياتها عن العرض السينمائي الذي كان يستقطب الكثير من الناس على اختلاف أعمارهم، “لم تكن الأجهزة الحديثة المتطورة متوفرة آنذاك .. كانت أجهزة التلفاز والراديو ودور السينما تتربع على عرش الترفيه في حينها”. كذلك تقنية استباق الأحداث بمعنى معرفة تفاصيل الحدث أو الموضوع لاحقاً بعد أن تشير إليه أثناء السرد. نقرأ ما عرفته لاحقاً عن دلالات المثل الذي قالته أمها: “البنت الحرة مثل الذهب بالصرة”، تعرف بعد ذلك كما تقول أن هذا الذهب (المهر) ما هو إلا قيد غليظ”، يكبل حرية المرأة. كأنها أرادت القول أن المهر هو الثمن الذي يدفع في تلك المرأة.
يتوزع الفضاء المكاني في سرد الأحداث من المكان الأكبر إلى المكان الأصغر. يتمثل المكان الأكبر في القدس بكل تجلياتها الجمالية والمكانية، ومنها يتفرع حي واد الجوز مكان ميلاد الساردة ونشأتها، ومنه إلى شوارع الحي وساحاته ومدرسته، ثم تنتقل منه إلى بيت الزوجية، وتخرج من القدس إلى باريس لتعيش جماليات المكان في الشوارع والمقاهي وشقتها والحدائق. وتتراوح هذه الأمكنة بين المكان المفتوح والمكان المغلق وفيهما تتشكل حياة الساردة ورحلتها.
ويتجلى وصف المكان عند الساردة بما يؤكد مصداقية ما ترويه من أحداث، فهي ترسم صورة بصرية تجعل إدراك المكان بواسطة اللغة ممكناً، وجاعلة من الوصف أداة لتصوير المكان وبيان جزئياته وأبعاده. نقرأ ما تصف به القدس أثناء تجوالها لشراء لوازم العرس مما يعمق انتمائها وارتباطها بالمكان: “رحت أتأمل المكان وكيف جمع ما فيه بانسجام بديع، من ماضيه العريق إلى حاضره الحزين، شعرت بعبق التاريخ يفوح من كل مكان، اجتاحتني نشوة المعرفة لكل ما هو حقيقي وأصيل يختبئ بين زوايا المدينة، فكل حجر فيها يسرد حكاية الزمان وأصالة الموقع والمقام”.
وحين تصف بيت الزوجية تساهم دلالات اللغة في التعبير عن معاناتها في المكان بعد ما لاقته من زوجها عمر وتسلطه عليها، ومعاملة حماتها لها من ذل واهانة. إن ضعف الإنسان أمام الواقع يجعله يستسلم دون إرادة منه، إذا لم يكن لديه القدرة على التمرد تقول: “إنه الضعف، أجل ذلك الضعف والهشاشة التي تجعلنا نتحمل ونصبر ونتقبل الظلم ونتعود عليه”، وهذا الضعف حول حياتها إلى جحيم، وأمام هذا الواقع المرير فضلت العيش على هامش الحياة في بيت الزوجية، فلم تعد تهتم بشيء سوى تربية طفلتها، وأن تكون قدوة لها.
ولكن نظرتها للمكان تتغير عند وصولها لباريس بعد أن حصلت على حريتها بالطلاق من “عمر”، وقد ألقت عن كاهلها كل الذكريات الكئيبة، وانطلقت نحو الحياة الجديدة في باريس والتي رغم بردها إلا أنها شعرت بالدفء الداخلي الذي فقدته بين أهلها وأبناء جلدتها. باريس عالم يموج بالحركة والحياة فقد دهشت من جمالها وتعدد ثقافاتها فأحبتها، تقول: “شعرت بها مدينة للنور، فهي تحرص على وجود الحياة لساكنيها ومواطنيها، مدينة مبتكرة وجريئة، نابضة بالقلوب الخافقة على أنغام الحب”.
إن الصفات التي أسقطها الساردة على المكان، تؤكد لنا مدى استثمارها لتلك الصفات لتجلية دلالات معينة تغذي نصها الروائي، وتمثل منعطفات مشعة في عالم النص، تكشف من خلالها عن مفهوم حرية الإنسان ودور المكان في بلورة هذه الحرية.