!
زاهي وهبي
ترويض النفس أو الذات يأخذ أشكالاً متعددة، لعل أفضلها أن تقتنع بأنك كلما تقدمت في العمر عاماً كسبتَ عاماً آخر، لا خسرتَ واحداً. وكلما بلغت عقداً من العمر جديداً اشكر الله لأنه منحك فرصةَ اختبارِ مرحلة جديدة من العمر.
تروي ملحمة جلجامش السومرية – أول قصيدة ملحمية في التاريخ – أولى محاولات الكائن البشري سعياً وراء الخلود. يحضر جلجامش إلى الأذهان في رحلته الشاقّة التي قادته من بلاد الرافدين إلى بلاد الأرز بحثاً عن عشبة الخلود، وذلك كلما قرأنا أو سمعنا خبراً عن توصّل العلماء إلى ابتكارات تتيح للخلايا الحية تجديد شبابها وعودتها عكسياً من الشيخوخة إلى الشباب الذي فشل جلجامش في اكتشاف عشبته أو سرّه، وتمنّاه الشاعر أن يعود يوماً.
لكن رغم كل الإنجازات العلمية، يظلّ الزمنُ وما يفعله بالخلايا والملامح والقسمات معضلةً “مزمنةً” يواجهها الإنسان منذ كان على وجه البسيطة؛ فعلى الرغم من الأمداء الكبيرة التي بلغتها العلوم، لم يستطع حتى الآن فكَّ شيفرات الوقت وأسراره الكثيرة. آلاف الكتب والنظريات تحاول سبر أغوار الزمن وفهم حركته، أذهابٌ هو أم إياب؟ ثابتٌ أم متحوّل؟ واحدٌ أم متعدد؟ والغاية الأهم خلف تلك المحاولات تتمثّل في سعي الإنسان للبقاء على قيد الحياة، وفي بحثه المضني عن “عشبة” الخلود وأسرار الوجود منذ جلجامش إلى ستيفن هوكينغوما بينهما.
صحيح أن العلم الحديث قطع أشواطاً إلى الأمام، خصوصاً في تجديد الخلايا البشرية والحفاظ على شبابها، لكن الملاحظ أنه كلما قهر الطب البشري مرضاً ما وُلِدَت أمراضٌ جديدة، كأن من المحتّم على الإنسان أن يخوض صراعاً أبدياً مع أقداره، فيما يظل الموتُ اليقينَ الوحيدَ الموحشَ الذي لا جدال فيه ولا مناص منه. ويا لها من مفارقة: الموت هو الحقيقة الحتمية الوحيدة في هذه الحياة!
وفق مقاييس الفلاسفة والعلماء، ينقسم الزمن إلى أزمنة متعددة منها: الطبيعي والنفسي والوجودي والاجتماعي والمعرفي. وقد كُتِبَت أبحاث ودراسات كثيرة عن الزمن لم يكن العرب والمسلمون بعيدين منها، منذ أبي علي المرزوقي الأصفهاني وكتابه “الأزمنة والأمكنة”، وابن أبي الإصبع المصري صاحب “الأزمنة والأنواء”.
لسنا الآن في صدد البحث العلمي والفيزيائي في الزمن ومفاهيمه. ما نحاوله هو التوقف قليلاً عند أثر الزمن فينا معشرَ البشر وكيفية تعاملنا مع هذا الأمر، وخصوصاً أن بعضنا يتصالح مع الأيام وما تتركه من ندوب في الجسد والروح، فيما بعضٌ آخر يعيش تقلباتٍ واضطراباتٍ نفسية في علاقته بالوقت وما يتركه من بصمات لا مفرّ منها ولا مناص.
يوم كنا أطفالاً صغاراً، كان الشباب على رأس قائمة ما نصبو إليه. نُمنِّي النَّفْسَ بأن نطوي السنين ونستعجل العمرَ حتى نكبر. أحياناً، كنّا نعمدُ إلى كذبة بيضاء، فنزيدُ عدد سنواتنا قليلاً متى سُئلنا عن أعمارنا. ولما كبرنا صرنا نفعل العكس. صغاراً نتمنى أن نكبر سريعاً، كباراً نحلم بالمستحيل: أن نعود صغاراً، ونغنّي مع فيروز: “تعا تا نتخبى من درب الأعمار، إذا هني كبرو ونحن بقينا زغار، سألونا وين كنتو؟ ليش ما كبرتو إنتو؟ منقلن نسينا، واللي نادى الناس نسي ينادينا”.
كلمات أغنية بسيطة في ظاهرها، لكنها تكتنز عمقاً فلسفياً بأسلوبٍ سهلٍ ممتنع، فكم فيها من توقٍ إلى طفولة يتمنى المرء لو يستطيع إخفاءها عن ناظري العمر وتقادم الأيام! وكم هي لسان حال كثيرين ممن لم يتصالحوا مع أعمارهم، أو ممن يستعيدون زمن الطفولة بكثير من الحنين والشجن والرومانسية!
الحنين جميل وملهِم، لكن عدم التصالح مع الزمن متعب، ومحاولة العودة مستحيلة. أليس العمرُ اتجاهاً واحداً الالتفاف فيه إلى الخلف ممنوع؟ بلى، الالتفاف ممنوع، لكن الالتفات مسموح. الحنين والتذكّر وسواهما من حالات فُطِر الإنسان عليها هو نوع من الالتفات إلى الخلف تحسّراً أو مشاركةً للشاعر في “ليته” الشهيرة.
الاحتفاظ بالطفولة لا يكون عبر التخفِّي من درب الأعمار. هذا غير ممكن، أقلّه حتى الآن، بل بأن نحمل طفولاتنا معنا، أن نحتفظ بقلوب الأطفال الذين كنّاهم يوماً. طبعاً، هذا ليس سهلاً، يحتاج تمريناً يومياً وتدريباً للذات وترويضاً للنفس حتى لا تفقد فطرتها السوية وبراءاتها الأولى في عالمٍ يفقد تباعاً الكثير من معاني إنسانيته، ويحتاج المرء فيه إلى الكثير من التطهر والترفّع كي ينجو ويبقى في منأى عن آثامه وأدرانه وأورامه الخبيثة.
حين نحمل الطفولة في داخلنا، نضمن بقاءها حية طوال العمر، والعمر ليس مخيفاً إلى الدرجة التي يخالها البعض. التصالح معه لا يكون بالضرورة عبر “البوتوكس” و”الفيلر” وسواهما من الحقن التجميلية والعمليات الجراحية على أنواعها (هي حرية شخصية وفردية لا نرذلها، لكننا ندعو إلى عدم الإفراط فيها).
أنجح المصالحات مع الزمن تلك النابعة من الداخل، من الوعي بالذات وَفَهم حاجاتها ورغباتها ونزواتها وجموحها وتمردها، والسعي لترويض ما يجب ترويضه لكي تجنح النفس إلى السكينة وبساطة الرِّضا، وهذان أمران لا يتيسّران بسهولة في هذه الأيام، إذ تتقدم الصورة على كل ما عداها، ويحتل المظهر أهمية تكاد تضاهي الجوهر.
ترويض النفس أو الذات يأخذ أشكالاً متعددة، لعل أفضلها أن تقتنع بأنك كلما تقدمت في العمر عاماً كسبتَ عاماً آخر، لا خسرتَ واحداً. وكلما بلغت عقداً من العمر جديداً اشكر الله لأنه منحك فرصةَ اختبارِ مرحلة جديدة من العمر.
نعم، لكلِّ عقدٍ حلاواته و”جمالاته”. لا نقولها من باب العزاء، بل من قناعة تامة ترسَّخت بالتجارب والمِحن. حتى الوجع يغدو فرصةً روحيةً حين نتعامل معه بوصفه اختباراً ومطهراً، وما تختبره في الفتوّة والشباب مختلف تماماً عما يمكن أن تختبره في النضج والكهولة، والمسألة ليست مفاضلة بين هذا وذاك؛ كلاهما ممر إلزاميّ لمن قُدر له أن يعيش طويلاً ولم يسأم أو يضجر.
سعيداً تَمَعَّنْ في بياضٍ يتسلّل خلسةً إلى الرأس والصدغين، واعتبرها هبة إلهيةً سخية أن تعيش حتى ترى ما تراه الآن، والأكثر سخاءً أن تعيش حتى ترى الرأس قد اشتعل شيباً.
****
أختم هذه التداعيات بقصيدة “لن يعرفك أحد”:
غداً لن يعرفك أحد
حتى أنت ستقف أمام المرآة
تحدّق طويلاً
تسأل أين الفتى الذي كان؟
أين زقزقة العصافير في صوته؟
أين لهاثه خلف الجنادب والفراشات؟
أحقاً أنت هو الآن؟
ذاك الذي كان يهوى المحال
ينظر في عين الشمس ولا ينكسف
ويمد يداً ليقطف نجمة
يثقب الغيب بنظرة
ويأمر الغيم أن يرحل فيرحل الغيم
أو يسّاقط مطراً يبلِّلُ الفتى الناطر تحت
شبّاك فتاته لا بلل يمنعه ولا ملل.
**
أحقاً أنت هو الآن؟
كيف جفّ صوتك؟
لماذا غادرتك الطيور إلى غير رجعة؟
وعلامَ تذرف الآن دمعة؟
تمسحها على عجل كي لا يراها أحد.
ا تخف لن يعرفك أحد
حتى أولئك الذين صفقوا لك طويلاً
أمطروك ورداً وكلاماً جميلاً
أو أولئك الذين طعنوك في الظهر
باعوك بين صلاتين
ثم رموك في البئر.
**
صدّقني
لن يعرفك أحد
حتى أنت ستقف أمام المرآة
تحدّق طويلاً
تسأل: من هذا الذي تراه الآن؟
وبياض الحكمة متى تسلل إلى الرأس والصدغين؟
كيف انحنى عودك الناريّ؟
أنت الذي كنت تبتر الريح بمشية كحد السيف
ويكاد جبينك يلامس أعلى الغيم
إنك
تميل قليلاً إلى الأمام
وتميل قليلاً إلى الخلف
وتخلط قليلاً بين اليوم والأمس
وتنادي بأعلى صوتك
فلا تسمع سوى الهمس
وحين ترى ظلك محدودباً على الطريق
تلقي اللوم على الشمس.