الاخلاق ومكانتها في المجتمع

د . صباح ايليا القس

إنـّـــا لقــــوم أبــــتْ أخلاقنــــا شرفــــا        أن نبتـــــدي بالأذى مــــــن ليـــس يؤذينــــــا

هذا البيت للشاعر صفيّ الدين الحلي .

الاخلاق سلوك انساني يرتبط ارتباطا وثيقا بعادات وتقاليد المجتمعات الانسانية بصورة عامة . غير ان الاخلاق تشتمل على خصوصيات يلتزم بها مجتمع دون آخر فالانتساب الى قبيلة او عشيرة يعني قيمة اجتماعية في مجتمعنا العربي بينما لا تعني هذه الصفة شيئا عند الاقوام الاوربية وليست هناك قبائل او عشائر وما تشتمل عليه من التزام وارتباط عائلي قبلي له مواصفاته وعاداته وتقاليده الخاصة .

الاخلاق الفاضلة ليست كتابا مقيدا ندرسه ونتمسك به كما نتمسك بكتبنا الدينية ذات القيم الاخلاقية العالية .. على الرغم من عناية الفلاسفة اليونانيين بالاخلاق ووسائلها وطرقها واداواتها وهناك مؤلفات كثيرة عن الاخلاق ألفها الفلاسفة اليونانيون وغيرهم الى يومنا هذا ترتبط الاخلاق بالفلسفة المجتمعية اذ هي اساس التعامل الانساني بصورة عامة .. فالكذب مثلا ترفضه المجتمعات الفاضلة برمتها وكذلك السرقة وغيرها من الصفات الذميمة ..

الاخلاق هي فطرة الانسان وتربيته العائلية اذ يظهر هذا الامر في سلوك الاطفال والتزامهم وانضابطهمضمن معايير سلوكية طيبة يزرعها الاهل في نفوسهم وبذلك تنمو بذرة الاخلاق لتصبح لاحقا اخلاقا حميدة تجذب الى من يلتزمها العناية والاحترام هذا يعني ان الاخلاق تتبلور اكثر مع تقدم العمر اذ قد تغفر زلات الاطفال وعثراتهم وتشفع لهم في ذلك براءتهم وصغر سنهم ولكن لا يمكن التسامح مع الكبير عند خرقه القيم المتعارف عليها ..

وقد يكون لاصدقاء السوء دور في تغيير مسارات تطور هذا الطفل او ذاك وهنا يكون دور العائلة حاسما في تصويب المسار وتعليم الطفل الانضباط وعدم التعامل مع اصدقاء السوء الذين يخترقون القيم الاجتماعية سلوكا والفاظا لان الناس تسعى للحفاظ على السمعة الحسنة والعلاقات الطيبة ضمن الحدود الاجتماعية المقبولة .

الاخلاق سلوك دائمي وليست شعارات نتبناها في العلن ونخرقها عندما تتعارض مع المصالح الشخصية او لانتفاعات مرحلية تتعارض كليا مع ما نتعلمه في البيت والمدرسة والمراكز الدينية التي تؤكد جميعها الالتزام الاخلاقي الاجتماعي وليس ادل على ذلك من قول الرسول ( إنما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق ) ..

لا بد من الاشارة الى ان الدين يعني الاخلاق لان الاديان كلها تؤكد وتلتزم الاخلاق عقيدة ثابته لا تقبل المساومة او التشكيك وانما جاءت اساسا لتبشر بالاخلاق منهجا لا تحيد عنه ولا تقبل اي خرق او تجاوز على الثوابت الربانية التي بشر بها الانبياء جميعهم .

يقول الشاعر :

المــــرء بالاخـــــلاق يسمــــو ذكــــره        وبهـــا يفضـّـــل فــــي الـــورى ويوقــّـــرُ

المرء يسمو باخلاقه وليس بامواله وعقاراته وكثيرا ما نجد في اي مجتمع او مجلس شخصا له مهابة خاصة يستمع له الآخرون باحترام وتقدير بغض النظر عن امواله إذ هو شخصيا يشتمل على اخلاق فاضلة بما يجعله جديرا بالاحترام ..

البيت والمدرسة والمراكز الدينية كانت ولا تزال مصدرا مهما للتربية الاخلاقية ولكن بتطور المجتمع وانتشار وسائل الاعلام اصبح الامر سهلا لمتابعة الاخلاق المجتمعية العالمية مع الحذر من موجات اشاعة الميوعة والخلاعة والحرص كل الحرص في تغذية الابناء ولاسيما البنات بالافكار الطيبة واهمية الشرف والقيم الاخلاقية في صناعة الانسان المحترم بعد سن المراهقة على وجه الخصوص .

يقول الشاعر احمد شوقي :

انـــما الامـــــم الاخــــــلاق مـــا بقيــــــتْ         فــــإن هـــــمُ ذهبــــــت اخلاقهــــم ذهبــــــــوا

الاخلاق زينة الانسان بما يحمله من قيم طيبة كالمحبة والتسامح والعفو عند المقدرة والابتعاد عن السلوكيات المنحرفة كالسرقة والبخل والتكبراماالصفات المحترمة مثل القناعة والصدق والوفاء بالوعد والصبر على الشدائد ..

ليس في الحقيقة الكامل المكمّل الا الانبياء ولكن الحرص والبناء الطيب والثقة بالنفس والايمان بالله كفيلة بالتغلب على العثرات فالانسان ابن تجارب الحياة .

قد يعجبك ايضا