د . حسن كاكي
تأريخ الشعب الكوردي في كل عصوره وأزمانه وتراثه وموروثه الحضاري ظل زاخراً بالحيوية والأبداع والقدرة الفائقة على صنع الملاحم والمأثر وولادة رجال عظام، والزعيم الخالد مصطفى البارزاني واحد من هؤلاء الرجال العظام، الذين اختصروا تاريخ الحركة الكوردستانية المعاصرة في اهداف جوهرية اهمها اطلاق الحريات الاساسية للإنسان، واحترام خياراته الفكرية، واحلال الديمقراطية في العراق، ودفعت الثورة في سبيل هذا الهدف الانساني والحضاري مئات الآلاف من ابناءها.
كان الحزب الديمقراطي الكوردستاني ، والبارزاني الخالد دوماً مع الحل السلمي، والديمقراطي للقضية الكوردية لكن انحراف نظام الحكم عن اهداف ثورة 14 تموز دفع البارزاني الخالد الى ايقاد شرارة الثورة القومية الوطنية في 11 أيلول سنة 1961 لتشمل كافة أرجاء كوردستان من زاخو الى خانقين ومندلي.
كما كانت ثورة ايلول ثورة قومية كوردستانية لها التأثير الكبير على بقية أجزاء كوردستان ما أدى الى دفعهم لتأييد الثورة، والمشاركة الفاعلة فيها.
وسطر البيشمركة الأبطال أروع الملاحم البطولية نذكر منها :
1- ملحمة كه لي زاخو 1962 ( ملحمة وادي زاخو )
2- ملحمة زاويته سنة 1961.
3- ملحمة جبل متين والتصدي للجيش العراقي والسوري 1963.
4- ملحمة جبل هندرين 1966 وغيرها من ملاحم بطولية نادرة.
كل هذه الملاحم والبطولات أرغمت نظام بغداد لتوقيع أتفاق وقف أطلاق النار في 10/ 2/ 1964 وتأسس مجلس قيادة الثورة بمشاركة كافة القوميات والأديان في كوردستان 28/ 2/ 1964، وتم أجبار نظام بغداد على توقيع اتفاقية 29 حزيران 1966، والاشتراك في الحكومة المركزية بحقيبتين وزاريتين .
كما قامت قيادة الثورة الكوردية بوقف أطلاق النار في حزيران عام 1967 لإفساح المجال للجيش العراقي للمشاركة في حرب فلسطين، كبادرة حسن نية، والوقوف مع الشعب العراقي في معاركه التحررية القومية .
تعد اتفاقية 11 آذار سنة 1970 مكسباً قومياً، وتاريخياً مهماً كون لأول مرة تعترف فيها الحكومة المركزية بحقوق الكورد في أطار رسمي حكومي، وأمام الرأي العام العالمي، ولكن سرعان ما انكشفت نوايا النظام الحاكم في بغداد، وتراجعه وقيامه بحياكة دسائس ومؤامرات خبيثة ضد قيادة الحزب الديقراطي الكوردستاني، وفي مقدمتها محاولة اغتيال الشهيد ادريس البارزاني في 1/12/1970، والبارزاني الخالد في 29/ 9/1971 ، واغتيال مجموعة من كوادر الحزب على أيدي النظام في حينه، فضلا على المماطلة في تطبيق بنود اتفاقية الحادي عشر من آذار، مما دفعت الثورة للتصدي لمخططات، ومؤامرات النظام الدكتاتوري لتندلع مرةً أخرى شرارة ثورة أيلول في 11/3/1974 وكانت معركة للدفاع، والتحرير، وعندما لم يحقق النظام أهدافه في شن الحرب، وفشلت مؤامراته، ألتجأ الى شاه أيران، وركع له بعد تقديم العديد من التنازلات منها التخلي عن سيادة العراق على نصف شط العرب، وأراضي عراقية لصالح ايران، وتم توقيع اتفاقية الجزائر في 6 آذار سنة 1975، وكانت هذه الاتفاقية مؤامرة دولية قذرة ضد الشعب الكوردستاني، وثورته المجيدة .
على الرغم من انتكاسة ثورة ايلول تحت تأثير عوامل عديدة معروفة في مقدمتها مؤامرة دولية في الجزائر، لكن الشعب الكوردي ظل محتفظاً بروح التصدي للظلم، والتعايش عبر هذا التاريخ مع ويلات الحروب،فذاق مرارة ظلم وعدم تقبل الآخر، ومعاناة التهميش التاريخي والكفاح من أجل الحريات الأساسية للإنسان واحترام خياراته الفكرية.
كما أن الحركة السياسية الكوردستانية ، والنهضة القومية العارمة التي احدثتها الثورة عند انطلاقها ، وفي مجرى تطورها على الرغم من مظاهر الضمور التي انتابتها بعد النكسة مباشرة ظلت جمرة تومض تحت الرمال سرعان ما التهب، واشتعل اوارها قبل ان تجف حبر اتفاقية الجزائر في ثورة كولان المجيدة والتي انتهت بالأنتغاضة الشعبية في عام 1991 في كوردستان ليتحرر الشعب الكوردستاني، ومن ثم تحرير الشعب العراقي كله من نير وظلم النظام الصدامي الدكتاتوري الشوفيني في عام 2003 .
الكورد اليوم في قمة عطائهم النضالي لأثبات هويتهم القومية والوطنية بقيادة الرئيس مسعود بارزاني الأبن البار لمؤسس الحزب، وهذه فرصة تاريخية قد لا تتكرر اذا لم نحسن استغلالها بوحدتنا، وتمسكنا بأهدافنا القومية، والوطنية، وقوة جبهتنا الداخلية ضد المؤامرات الداخلية والخارجية التي تحاك ضدنا في الدهاليز المظلمة،والاستمرار في مسيرتنا نحو بر الأمان.
لنعزز ونحافظ على هذه الانجازات التي تحققت، ولنحتفل في القريب العاجل انشاء الله بعودة المناطق المستقطعة الى احضان الاقليم ونحن متفائلون في تعويلنا على طاقات جماهيرنا، فهي معين القوة الحقيقية الذي لا ينضب، وهو خيار شعبنا الذي قدم له القرابين، وان التجربة التي نعيشها اليوم ولدت من رحم التلاحم والوئام، وهي ثمرة نهج البارزاني الخالد، ومن ثم الرئيس مسعود البارزاني
للديمقراطية، والتعددية الحزبية وهي ثمرة نضال شعبنا الطويل الزاخر بالمعاناة، والتضحيات والاصرار على المضي قدماً الى الامام من اجل تحقيق الديمقراطية والحفاظ على تجربة أقليم كوردستان الحضارية .