أيلول .. ثورة من أجل الديمقراطية و العدالة

 

شيركو حبيب

لم تكن رغبة الزعيم الكوردي الخالد مصطفى بارزاني حمل السلاح ضد الحكومة العراقية، بل كان دائما مع حل الخلافات بالطرق الودية والسلمية دون إراقة الدماء والالتزام بمبادئ الديمقراطية، ولهذا رفع شعار “الديمقراطية للعراق” حين تأسس الحزب الديمقراطي الكوردستاني في 16 آب 1946 .

وقبل ذلك أيضا إبان ثورات بارزان طالب بتنفيذ الحقوق الكوردية دون إراقة الدماء، فقد كان البارزاني مؤمنا بالأخوة العربية الكوردية و العيش بسلام وتآخي، لكن تعنت الحكومات منذ العهد الملكي والى اليوم وعدم الالتزام بالوعود والاتفاقيات واستعمال لغة الحديد ضد الشعب الكوردي، حال دون نيل الكورد حقوقهم القومية.

ورغم أن الكورد كانوا طامعين في رد إيجابي من حكومة عبدالكريم قاسم، فقد انحرف البعض عن أهداف ثورة 14 تموز -يوليو 1958، وحدث أن شن النظام قصفا جويا على مناطق عدة في كوردستان، وعلى الرغم من تكرار المناشدات بضرورة احترام حق المواطنين في الحياة إلا أن الحكومة استمرت على نهجها العدواني ضد الكورد، مما أدى إلى إعلان ثورة عارمة في كوردستان في 11 أيلول/ سبتمبر 1961 بقيادة الأب الروحي للشعب الكوردي مصطفى بارزاني الخالد.

وسميت الثورة بثورة أيلول لاندلعها في شهر أيلول، ومع أن الشرارة الأولى لها كانت في كوردستان إلا أنها سرعان ما أصبحت ثورة التحق بها العراقيون من مختلف الانتماءات القومية والدينية، لإيمانهم بقائد الثورة و عدالة القضية وإدراكهم حقيقة دفاعها عن مبادئ الديمقراطية ودعوتها وسعيها لبناء دولة مدنية على أساس الشراكة والمساواة وتطبيق الدستور العراقي الذي كان ينص آنذاك على شراكة الكورد والعرب في الوطن.

حققت ثورة أيلول الإنجازات و الانتصارات الكثيرة رغم قلة أعداد البيشمركة والأسلحة والعتاد مقارنة مع عدد قوات الحكومة وأسلحتها الحديثة، لكن إيمان قوات البشمركة بقائدهم وعدالة قضيتهم كان الحافز الأقوى لهذه الانتصارات، ويوما بعد يوم التحق العراقيون بمختلف انتماءاتهم القومية والرتب العسكرية بالثورة، و أمتزجت الدماء الكوردية والعربية لأجل بناء دولة ديمقراطية مدنية.

إن ثورة أيلول لم تكن فقط ثورة مسلحة بل ثورة على مستوى جوانب الإدارة و التنظيم كافة، فتم خلالها تأسيس العديد من الإدارات لإدامة أمور وشؤون المواطنين، منها التربية والتعليم والزراعة والصحة والعدل، حيث تم تشكيل محاكم عدة وكذلك المحكمة العليا للثورة والتي كانت بمثابة محكمة التمييز العراقية، وكان للثورة مندوبين في الخارج والدول العربية ومنها مصر – القاهرة و بيروت و عدد من العواصم الأوروبية، التي كان لها الدور المهم في إيصال انتصارات الثورة للعالم الخارجي.

كانت فترة ثورة أيلول من 1961-1975 بمثابة مرحلة لتعليم الكوردايتي والنضال من أجل الأهداف النبيلة، فاستطاعت الثورة إلحاق الهزائم بالقوات الحكومية والمتعاونين معها من المرتزقة، وتمكنت من تسجيل ملاحم وبطولات قل نظيرها في حرب و قتال الجبهات، إلا أن حنكة و كاريزما قائد الثورة و إيمان البيشمركة بعدالة قضيتهم كان له الأثر الكبير في تحقيق الإنجازات و الانتصارات العظيمة، ورغم الانتصارات الحربية إلا أن الثورة استطاعت و لأول مرة في تاريخ العراق إرغام الحكومة العراقية بالاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكوردي ضمن اتفاقية 11 آذار عام 1970 ، وتعتبر هذه الاتفاقية من أهم إنجازات الثورة حتى الآن.

ورغم الاتفاقية إلا أن نظام صدام بدأ بالتنصل من تنفيذ بنودها ومقاصدها فقام بالعديد من الإجراءات العدوانية و الاستفزازية ضد الشعب الكوردي، منها محاولة اغتيال الشهيد الخالد إدريس بارزاني في بغداد، واغتيال الزعيم الخالد مصطفى بارزاني و تهجير الكورد الفيليين إلى إيران بحجج واهية بعيدة عن الواقع و الاستيلاء على أموالهم وممتلكاتهم، والسبب أنهم كانوا من الشريحة المتمكنة من الأغنياء مؤيدي و مناصري البارزاني الخالد و الحركة الكوردية، ولا ذنب أو تهمة ضدهم إلا أنهم من الكورد.

كذلك قام النظام بإحداث تغيير ديموغرافي لمدن كوردستان و خاصة كركوك، فاستباح عملية تهجير سكانها الأصليين من الكورد وإسكان العرب من جنوب العراق محلهم.

لم يستطيع نظام صدام مقاومة الحركة التحررية الكوردية عسكريا لذا فقد لجأ إلى شاه إيران لضرب الحركة الكوردية مقابل التنازل عن أراض عراقية لطهران، و التي كانت سببا في حرب الثماني سنوات ثم غزو الكويت، و ما آلت إليه الأحوال الداخلية في العراق فترة الحصار وما بعدها.

ستبقى ثورة أيلول في ذاكرة كل المخلصين من أبناء شعبنا، وسيبقى قائدها خالدا في ذاكرة التاريخ،
المجد و الخلود لشهداء الحركة التحررية الكوردية وفي مقدمتهم البارزاني الخالد و إدريس الخالد و جميع شهداء الحركات التحررية في العالم.

قد يعجبك ايضا