لا تحرقوا كركوك

 

 

شاكر الجبوري

قبل 18 عاماً قال لي القيادي الكوردي كوسرت رسول ان كركوك تحتوي الجميع، لكنها تتنفس برئة كوردية، وقبل ذلك أكد مسؤولون أميركيون في بغداد ان مستقبل كركوك يحدده استفتاء شعبي عراقي، بينما يتقاتل الجميع في المكان والتوقيت الخطأ، لأن المدينة تلتقي عندها خطوط الطول والعرض الاقليمية بكل تشعباتها.

 

صمدت ثلاثية العقل التي يمثلها “الشروال والكوفية والعقال” أمام كل المصاعب والتي منعت الاقتتال المجتمعي خارج تصفيات سلطة القرار، ثم الى متى يبقى الصراع على الأرض أهم من كرامة العراقي عليها؟ لولا النفط لما تقاتل الصديق والحليف على كركوك من طهران الى أنقرة مرورا بلندن وواشنطن وصولا الى الدوحة.

 

هذه التعقيدات الواضحة للعيان أفقدت أهل كركوك القدرة على توحيد صفوفهم على قاعدة الولاء للمدينة خارج تجاذبات القومية والمذهبية وأوراق اللعب الدولية، العرب والكورد ليسوا نازحين في كركوك، والتركمان لم يكونوا لوحدهم أبناء الدار، كلُ رسالات السماء هبطت على كركوك، ومع ذلك ظل استقرارها على شفا حفرة التعريب والتكريد والأقلمة، واليوم تُضاف لها خلافات ملكية الأرض السياسية. ابعِدوا المقر المسيطر عن الفتنة وخسارة كل شيء، فكركوك تستوعب البارتي وجميع الأحزاب بشراكة المصير، لا المصالح البديلة.

 

ما يجري من تسخين إنتخابي مبكر في عاصمة النفط والتي لم تشبع من عوائده، يعتبر لعباً بالمنطقة والتوقيت الخطأ، لأن النتائج ستتخطى حدود المحافظة وربما تُشعل صراعاً يلغي حتى مجالس المحافظات. ليس هناك من وصفة سياسية مُفصلة على مقاس واحد في كركوك، فالجميع شركاء في تفاهمات وتحالفات وقواعد شعبية لا يلغيها التسقيط السياسي.

 

واذا افترضنا أن الجميع قد أستوعب خطورة خلط الأوراق السياسية والأمنية في كركوك، فذلك لا يسمح بوضع القيود على حزب سياسي أو فئة اجتماعية دون غيرها، مع الاقرار أيضا بأنه لا ملائكة سياسية في كركوك. الحزبان الكورديان والجبهة التركمانية والمجلس العربي والمكونات الأخرى لها حق التنافس على مجلس المحافظة، والغلبةُ ستكون لصناديق الاقتراع. هذه معادلة العراق الجديد كما يسمونه، انتهى زمن الانقلابات العسكرية على الطريقة الأفريقية ومعها أيضاً عدم الاستحواذ على حق الآخر بالتضليل.

 

الذين يحملون الحطب لحرق استقرار كركوك سينتظرون طويلاً الفرج على رصيف النسيان، فهذه الرقعة الجغرافية من العالم تمتد حدودها الى خارج العراق، وتلتقي عندها مصالح الذين يمتلكون رصاصة الرحمة على التوافقات. لا تغامروا بكركوك من أجل مقعد اداري، ولا تبخسوا شعبية شركائكم بمخاوف الزمن الآخر. وتفقهوا بأسباب عدم اقامة اقليم البصرة. كركوك ليست هوية عابرة، لأنها تجمع كل العراق في جغرافية تكبر ولا تضيق على أحد.

 

إختلفوا على عدد المقاعد ولا تراهنوا على حرق التعايش السلمي، فلا قيمة لمنصب بدون شعب، ولا استقرار يُرتجى بدون عناصر حقيقية أولها الولاء للمدينة لا استخدامها لتضييع حقوق الآخرين.

 

شعبية البارتي واليكيتي والجبهتين العربية والتركمانية يحددها الشارع الانتخابي، لا التسقيط السياسي، كركوك معادلة زمن متجدد لا يفك طلاسمها الا العقلاء في جميع البيوت السياسية والدينية والعشائرية.

 

قد يعجبك ايضا