ئاوات ورُسلُ الرحمةِ وشعب نوروز

 

 

ياس الشمخاوي

ما تطرحهُ حقولُ المعرفة ليس بذي عهدٍ جديد في النزاعات الفلسفية بين المدارس الفكرية المادية والمثالية حول ما إذا كانت الفضيلة حسنة لذاتها، تدركها الفطرة الانسانية فيُلزم العملُ بها كونها مستحسنة أم لأنَّ العمل بمقتضياتها يعود بالمنفعة على الفرد والمجتمع فيمنحها حتمية الوجوب بحسب نظرية الفائدة تجاه الخير والشر والحُسْن والقُبْح.  ولم يترك المفكرون وعلماء الاجتماع والأخلاق على مختلف مرجعياتهم الفكرية سواء كانت ميتافيزيقية أو ديالكتيكية في البحث وراء فلسفة الدافع لعمل الخير. وببساطة فإنَّ الإجابة على السؤال “لماذا يجب على الانسان أنْ يفعل الخير؟” لم يأتِ من واقع اختبار المدركات الذهنية والفكرية المجردة بل للبحث ما وراء ماهية الذات والتربية وميزانها الأخلاقي إزاء الفعل بغض النظر عن نتائج الفعل أو ما يُسمى برد الفعل. والفضيلة هنا تتجسد بكل معانيها السامية المطلقة دون نقصٍ، كالقمر الذي يمنح ضوءَهُ للأرض بلا جزاء على حد وصف فريدريك نتشه.

ففي مبحث سابق- وقبل سنوات عديدة- كنت قد تناولت اشكالية حب الخير والسلام وتجنب العنف والظلم في صحيفة الزمان الدولية، وقد أشرت فيه إلى إنَّ ثمة بون شاسع بين اعتماد الإنسان للسلام كمبدأ اخلاقي وإنساني في ذاته ولذاته وبين منْ يتخذه كأحدِ الخيارات بدافع الخوف من العقاب، أو الرجاء في تحصيل الثواب.

والفارق هنا كبير بين منْ يعمل صوابا لدفع ما يُحتمل من عقوبات اجتماعية عرفية أو قانونية وضعية أو لاهوتية وبين منْ يفعل الخير لذاته كقيمة عُليا، يطلبها بتجرد عن الأنا والأنانية. كذاك الذي يفعل الخير طمعا في الحصول على مكاسب مادية ومعنوية أخروية أو دنيوية، فقد لا يُؤتمن شرّهُ في أي لحظة يغيب فيها هذا المعيار عن بالهِ. منهم منْ يعبد الله من أجل الحوريات، ومنهم منْ يخشى عذابا ينتظرهُ. وطائفة أخرى ارتقتْ فوجدت إنّه الحق والخير المطلق، ومبادئه حقة فاتخذتهُ ربّا وسبيلا. دون شك إنَّ الثواب والعقاب ضابطان مهمان في ضبط السلوك البشري، إذ يتعذر وجود مجتمع ملائكي مذ وجدت الخليقة وحتى اللحظة. ولكن هل ننفي وجود أناس تقترب صفاتهم من أخلاق الملائكة سواء في مجتمعات تؤمن بقوى الغيب والسماء أم تكفر بوجودها؟ وسواء حضر الرقيب الخارجي أم لم يحضرْ لديهم؟

مقاييس الحكم على مجتمع فاضل وسط آليات الردع والنفع قد لا تكون صادقة. ومتى ما رفعت القيود والضوابط تستطيع أنْ تلامس الحقيقة في واقعية التقويم. المجتمع الذي لا تكثر فيه السرقات ليس بالضرورة أنْ يكون أمينا ولا مؤمنا ولا متدينا حتى تختبرْهُ وقت غياب القانون. والإنسان الذي لا يكذب؛ لأنَّ الله حرّم عليه الكذب، ليس حقا صادقا حتى يؤمنْ أولا بأنَّ نهج الصدق بحد ذاتهِ فضيلة. ولو كان الايمانُ بالغيب وحدهُ سببا لاِمتناع الناس عن الخطأ لجاز لنا أنْ ننفي كل فضيلة عمّن لا يؤمنون بالله!

ذات يوم أثنيتُ في احدى الصحف على خمسة أطباء قاموا بعمل انساني، وكان من بينهم طبيب كان قد جازف بحياته ليعالج جرحى معارضين للنظام العراقي السابق مجانا، ولما التفت للمقال الصديق الحقوقي اسطيفو شبلا رئيس اتحاد منظمات الشرق الأوسط، وعضو منظمة لاهاي الدولية، وجّه كتابَ شكرٍ لهم من مقرّهِ في لاس فيغاس، وقد خولني بتقليدهم أوسمة نيابة عنهُ. وعندما التقيت الطبيب الآنف الذكر شكرني وقال عبارة يصدق معها أنْ يوصف الأطباء برسل الرحمة. قال “ما كنتُ ثائرا أو منتظرا جزاءً ولا ثوابا من أحد، إنّما كنت أقوم بواجبي الإنساني تجاه منْ وثقَ بي لإنقاذ حياته”.

كان يعمل بمقتضى الإرادة الخيرة دون قيد أو شرط مسبق، والتي يعبّر عنها إيمانويل كانط بالخير المطلق في ذاته. وهذا الالزام الخلقي لعله ظاهرة وصفية للتأصيل في المبدأ ربما باتْ خُلقا نادرا في زمنٍ سادتْ فيه المصالح الذاتية وارتبكتْ معهُ القيم الإنسانية، خصوصا بين شريحة ينبغي أنْ تكون هي الأقرب للفضيلة فينطبق عليها- حقا- وصف “رُسُل الرحمة”.

واليوم تعيد إلى ذاكرتنا هذا الجدل الفلسفي طبيبة من كردستان العراق، الدكتورة ئاوات سلمان لتزيّن صفحات شرف المهنة كعلامة فارقة في سجلات رسل الرحمة، إذ تعيد انتاج فلسفة الأخلاق والفضيلة؛ بروح مليئة بالخير ليصدق الوصف على الموصوف. ففي الوقت الذي انشغل كثير من الأطباء بعالمهم المادي، والتسويق لأنفسهم وبضاعتهم؛ لجذب المراجعين في محطات التواصل، لا تبخل الدكتورة ئاوات في الرد على أسئلة المرضى، وتقديم النصائح والإرشادات الطبية دون مقابل. وثمة ثقافة انسانية أخرى تطرحها إلى جانب ذلك في عالمٍ يُسمى عالمٌ افتراضي أبتْ أنْ لا تكون فيه إلّا شخصية واقعية. محتوياتها أناجيل من المحبة والتسامح وثقافة التعايش. كأنّها ورًسُل الرحمةِ وشعب نوروز جُبلوا من طينة الفضيلة وعُجنوا بماء ورد الربيع.

قد يعجبك ايضا