الشاعر شاكر لعيبي.. والفصل بين داخل وخارج ( العراقيين )
التآخي / وكالات
لفعل التذكر أبعاد زمانية تجعل الماضي حاضراً وتمضي بالحاضر نحو المستقبل قدماً، وبما يجعل الفاعلية المكانية مستمرة بدوامية السيرورة الزمانية.
وبسبب ذلك صارت للمذكرات أهمية كبيرة في تسطير صفحات تاريخية شخصية، يمكن لها أن تكون عامة بوصفها وثائق خطية كتبها شهود عيان على واقع أو معترك ما. ولأن من الممكن الارتكان إلى الشفاهية في استذكار الأفعال والأقوال سهلت عملية تدوين المذكرات التي هي نتاج الذاكرة الحية، فكيف الحال بالشاعر الذي أداته اللغة وبإمكانه أن يطوعها لتعبر عما عاش أو تخيل؟.
يبدو أن الشعراء الذين هاجروا إلى بلدان بعيدة واختاروا المنافي أو وجدوا أنفسهم منفيين هم الأكثر اكتراثا بالتاريخ الأدبي تأكيدا لإبداعيتهم ربما تعويضاً عن هوية ضائعة وبحثاً عن الوجود في مهجر لا يرحم وربما هو سقف الحرية الذي يعيشون تحت ظله والذي يسمح لهم أن يدونوا تاريخهم الشخصي في مذكرات وشهادات وسير من دون أن يضعوا في حسابهم تابوات بعينها بلا خشية من حساب أو عقاب.
وأخذ الشعراء العراقيون ـ المهاجرون والمهجرون المنفيون ـ على عاتقهم توثيق ماضي حياتهم في العراق وكيف تفتقت فيه قرائحهم الشعرية وعرفت أسماؤهم محليا وربما عربيا. ومن ثم لم يضف إليهم المهجر أو المنفى جديدا، ولم يقدّم لهم أكثر مما أخذوه حين كانوا في بلدهم وحصلوا لاسمائهم مكانا على خارطة الشعر العراقي كما هو الحال مع الشاعر فاضل العزاوي وسعدي يوسف وصادق الصائغ وغيرهم. ولقد كان الشعراء أصحاب الشهادات السيرية ـ واغلبهم من المهاجرين والمغتربين ـ هم أول من أطلقوا مقولة الفصل بين الداخل العراقي والخارج العراقي وحاولوا إشاعتها من خلال تركيزهم على أسباب غربتهم وما تعرضوا إليه من ضغوط أدت بهم إلى الغربة. وتثير مقولة الفصل مشاحنات وبغضاء بين من يقول بعدم إبداعية من بقي في الداخل وبين من يعول على شاعرية من هاجر.
وقد كتب فاضل العزاوي شهادة قصد بها تجييل شعراء العقد السابع الستيني فكان ذلك مدعاة إلى أن يقدم غيره شهادات تقول بالقطيعة مع هذا الجيل العقدي وإعلان جيلية العقد الثامن( السبعيني) ومنهم شاكر لعيبي في كتابه( الشاعر الغريب في المكان الغريب: التجربة الشعرية في سبعينات العراق) والصادر عن دار المدى 2003 وفيه عبّر عن القطيعة بالفصل بين شعراء داخل العراق وخارجه، مؤكدا أن الهجرة الجماعية ساهمت في اشتداد وطأة اللبس الجيلي بين شعراء الستينيات ومن جاء بعدهم فضلا عن غياب من كان حاضرا داخل العراق أيضا وصعوبة التحاور بين الاجيال والسبب برأيه عدم قيام النقد العراقي بدوره في متابعة شعراء السبعينيات.
وقد عد نفسه واحدا من شعراء(الجيل السبعيني) المدافع عنهم ضد الجيل السابق( الجيل الستيني الشرس والحيوي الذي أتيحت له كل الظروف في داخل العراق كما في خارجه للبقاء سيدا في المشهد الشعري هكذا سينمو الانطباع العام الزاعم بان الشعر العراقي قد كف عن التطور بعد سنوات الستينيات..ثمة في الثقافة العراقية تبشير بموت جميع الشعر المنتج بعد الستينيات)ص6
وبسبب الاختلافات الايديولوجية غدا الواقع الشعري بوليسيا فيه الشعر عمل جبار؛ النجاح فيه لا يتحقق سوى بالتدافع بالمناكب والأيدي. والغاية من ورائه ليست جمالية بقدر ما هي حزبية تتمثل في الاستحواذ على الآخر وترويضه وكسبه. والمثال الذي ضربه شاكر لعيبي على هذا الواقع التعبوي هو الشاعر سامي مهدي.
ويعلن شاكر لعيبي رفضه مسألة اتخاذ العقدية معيارا بينما هو يأخذ بها على المستوى العملي، وعليها يبني تحليلاته وتقسيماته ويبرر هذا التناقض بين النظر والتطبيق بالقول:( ان إطلاقنا صفة جيل السبعينات مرات في هذا البحث على هذه الفترة، يستجيب للشائع المعروف من اجل مناقشته فحسب ولا يتعارض مع قناعتنا بخطأ التقسيمات العشرية للأجيال في العراق المعاصر)ص9. وكما أن الشعراء المجيلين رفضوا نظريا القطيعة مع الجيل السابق، كذلك شاكر لعيبي رفضها نظريا، مبينا أن تلاقي المراحل الشعرية إنما يكون في تحولات شعرائها ومن ثم لا انقطاع فيها لكونها ممتدة باستمرار بطريقة التجاوز والتجاور من المرحلة الحديثة إلى نهاية الأربعينات كمرحلة أولى لها ملامحها المشتركة أما (جيل الرواد وما يسمى بالخمسينيين فيشكلان تقريبا نهجا متماثلا في إنضاج وتطوير القصيدة العراقية الحديثة) ص21 بيد أنه للأسف سيحيد عن هذه الرؤية الموضوعية حين يتوغل في عرض تجارب شعراء عدهم سبعينيين هم من أقرانه وأصدقائه.