الإعلام المُغالي من زمن أبي زيد الهلالي

 

 

 

 

أحلام بناوي

سواء كان الإعلام مقروءا أو مرئيا أو مسموعا فهو وسيلة لا غنى عنها في التعرف على العالم وما يجري من حولنا، وسواء حملناه على محمل الصحة كليا أو جزئيا آخذين بعين الاعتبار سياسة الجهة التي تقدم لنا المادة الإعلامية، ونزاهة المراسل من عدمها، ووو وآخذين ما شئنا من الاعتبارات.

 

في أوائل ظهور الثورة الرقمية وانتشار وسائل الإعلام، كان الناس مأخوذين بسحر البدايات، وحلاوتها، فلما استقرت وخفتت دهشتها، بدأت ثورة جديدة هي ثورة اتهامات للإعلام بالمغالاة والتهويل ووضعه موضع التشكيك

 

وسواء كان كذلك أم لا، فليست هذه قضيتنا، فقد صار كل من هب ودب يقول إن إعلام اليوم يعتمد على التهويل والمبالغة في تقديم الخبر

 

وكأن إعلام اليوم ولد من غير أب أو أنه قفز إلى الوجود فجأة، ولم ينشأ بتطور وتراكم تدريجي منذ أقدم العصور، وكأن إعلام الأمس وقبل الأمس لم يكن فيه شيء من المبالغة، ورّثها تاريخيا لإعلام الحاضر، بدءا من حكواتي أيام زمان، إلى الكتب التي تتحدث عن الملوك، إلى قصائد الشعراء، وهؤلاء لن نتحدث عنهم فقد تحدث عنهم الله عز وجل بسورة كاملة، وانتهاء بأحاديث نساء الحارة التي كانت أسرع وسيلة إعلام في عصر من العصور.

 

لا أحد منا لا يعرف قصة أبي زيد الهلالي، أو الزير سالم، أو غيرها من القصص التي كان الحكواتي يسبغ على أبطالها من الصفات، وعلى أحداثها من المبالغة ما لا يخطر على بال، لدرجة تجاوز بها أحيانا الطاقة البشرية إلى الخوارق.

 

فيجعل الهلالي إضافة إلى قدراته الخارقة، مُتقناً لمختلف العلوم والفنون واللغات، لذلك يقول المثل العربي “سكة أبي زيد كلها مسالك”

 

ما جعل العرب فيما بعد يؤثرون هذه الشخصية التي لم يعرفوها، وإنما فقط سمعوا عنها، فأعطوها منزلة الصدارة بين أبطال السير الشعبية.

 

وحتى قبل الهلاليين بآلاف السنين استطاع الإعلام المكتوب أن يجعل من شخصية جلجامش، ملك دولة الوركاء السومرية، مادة قابلة للنفخ والنفش والتهويل.

 

بعضهم قال إنه كائن بشري بقوى خارقة، وبعضهم عدّهُ نصف إله، وكلما تعددت الترجمات للملحمة تضاف لها حبتي مسك أو (بهارات).

 

حتى إن (إنكيدو) لم يكن ينقصه سوى بعض السيليكون ليبلغ ما بلغته (الفاشينيستات) اليوم من الشهرة.

 

عصر حديث

 

وبعضهم روى أن جد جلجامش الملك، وضع أم جلجامش تحت الحراسة لمنعها من الحمل، لأن وسيط الوحي أخبره أن حفيده سيطيح به من الحكم، ثم حملت أم جلجامش ورمى الحراس المولود من البرج، إلا أن نسرًا أنقذ الطفل في منتصف السقوط وأوصله بسلام إلى حقل ما ليربيه البستاني.

 

وفي نهاية المطاف توصل علماء العصر الحديث إلى أن جلجامش هو كائن بشري عادي، حكم منطقة معينة في زمن معين وانتهى الأمر، فلا هو إله، ولا نصف إله، ولا حتى ربعه.

 

فإذا قارنا (شطحات) إعلام اليوم بهذه (الشطحة) وحدها، نجده على علله لم يأت بجديد

 

على الرغم من أن التأثير الإعلامي لملحمة جلجامش ظل آخذاً مفعوله لدى بعض السَّاسة فاعتبروا أنفسهم أنصاف آلهة.

 

ناهيك عن أن الناس كانوا وما زالوا إذا تناقلوا خبراً، فإن هذا الخبر ينتفخ ويكبر في كل مرة ينقله فيها شخص جديد، ليصل الخبر إلى آخر الحارة وقد تحولت البيضة إلى جمل.  نحن شعب يحب التهويل، وتضخيم الأمور، وصب الزيت على النار، ووسائل الإعلام اليوم على ما فيها من علل فإنها لم تختلف كثيرا عن إعلام الماضي، ولم تفعل شيئا سوى أنها تقدم لنا ما نحب.

 

 

قد يعجبك ايضا