طارق كاريزي
منذ عقدين والأمور لم تستقم في جمهورية العراق الثانية. القوى السياسية تتصارع بلا هوادة من اجل انتزاع أكبر قدر من السلطات في أجهزة الدولة العراقية بدءا بالمؤسسة التشريعية مرورا بمؤسسات الحكومة التي هي أكثر اغراء للصراع بين القوى والشخصيات السياسية وصولا الى الأجهزة القضائية.
ربما قائل يقول، أليس هذا هو ناموس الديمقراطية وقواعد لعبتها! نعم نحن مع الديمقراطية مهما اصابتها من علل، وهي بالتأكيد أفضل بما لا يقارن مع نظام الحكم الفردي الذي سبقه، لكن ان تبقى الديمقراطية تراوح في المطبات وتعجز عن تفعيل دور السلطات ولا تستطيع أن تختط سبيلا نحو تلبية حاجات التنمية واحتياجات المواطنين، خصوصا وأن عقدين قد مضيا بعد التغيير، فهذا الأمر يدعونا الى مراجعة الأمور وتقويم الاداء بالشكل الذي يوفر الجرأة والأرضية لبلورة صيغة حكم فعالة تستطيع تجاوز مستنقع العجز وسهام النقد الموجهة اليه بحكم عدم القدرة ازاء النهوض بالأعباء رافقه تغول الفساد الاداري والمالي.
المحاصصة مصطلح تم تداوله خلال السنين الماضية بشكل واسع في الوسط السياسي والاعلامي العراقي، وهذا المصطلح يحتمل قراءتين في القاموس السياسي. ان كانت المحاصصة اجراء لتقاسم الامتيازات والاستحواذ على المناصب وسوء ادارتها من دون وجهة حق، فهي مدانة ومردودة، لكن أن تكون المحاصصة ميزانا لتلبية التعددية الاثنية والسياسية وسط المجتمع، مع مراعاة تبوء “الرجل المناسب، المكان المناسب”، فهذا نظام يستجيب لمتطلبات فسيفساء المجتمع العراقي. التجربة العراقية منذ عام 2003 على مستوى البرلمان وتشكيل الحكومات المتعاقبة تقدم خليطا من المسارين، وهذا الأمر أضرّ كثيرا بالعملية السياسية وقدرتها على النهوض بالمهام.
82 عاما من عمر الدولة العراقية بعهديه الملكي وجمهوريته الأولى أظهرت عجزا وارباكا كبيرا من حيث التعامل مع العراقيين من موقع المواطنة، فالسلطات التي تولت ادارة البلد قدمت نماذج من الحكام رسمت خطا بيانيا شهد التذبذب صعودا ونزولا من حيث التعاطي مع العراقي كمواطن، بل ان الولائية القومية والمذهبية والسياسية والعشائرية والجهوية لعبت دورا سلبيا واسع النطاق وافشلت مساعي بناء دولة المواطنة.
هذا التاريخ المكبل بالفشل والتمييز بين العراقيين ولّد صراعات مستدامة وخلف كما هائلا من الخسائر البشرية والمادية، فيما مؤشر المواطنة خلال العقدين الأخرين من عمر الدولة العراقية يقدم تراجعا مضافا في مسار بناء أسس المواطنة. مع ان الديمقراطية العراقية التي نبتت تحت مظلة القيم الامريكية المطروحة والمقبولة اجمالا، والدستوري العراقي بات سندا قويّا لذلك، وحقيقة فان الاثنان قدما الأرضية الايجابية لبناء دولة المواطنة، الا ان الفساد والمراهقة السياسية والدفع باتجاه اثارة المشكلات وخلق المطبات، اجهض مساعي بناء دولة المواطنة بشكل تراجعت فيه الآمال بقدر كبير حيال توقعات تحقيق هذا الشرط اللازم لبناء دولة حديثة.
التدخل الخارجي في الشأن السياسي العراقي يمارس دور الساند للعملية السياسية، خصوصا وأن القوى والشخصيات السياسية لا تزال أبعد من اتقان اللعبة الديمقراطية واحترام نتائج الانتخابات، لأن الهدف غير المعلن لها هو منطق تقاسم الكعكة وليس منطق تولي المسؤولية والنهوض بالأعباء. وبموازاة ذلك يعد العامل الخارجي ضاغط ارباك وتحكم للعملية السياسية ويمنع العراقيين من التوصل الى صيغ مقبولة ومتفق عليها من حيث ادارة السلطة. فالعراق محكوم بالمحاصصة وما لم تتحقق المواطنة، فان أي حديث عن الوطن هو أقرب للتصورات من الواقع.