د. سعيد الشهابي
الزلزال الذي ضرب الأراضي التركية والسورية الأسبوع الماضي لم تنحصر آثاره في الدمار الذي أحدثه وتبعاته الإنسانية، بل فتح أبوابا من السجال حول قضايا عديدة غير متصلة بشكل عضوي مع الهزات الأرضية المتتالية التي أعقبت ذلك الزلزال الذي صعق العالم.
فبالإضافة لقضايا الإغاثة التي تداخلت فيها السياسة بالأبعاد الإنسانية، والاقتصاد بالأوضاع المعيشية للملايين، أزيح الستار كذلك عن أمور ترتبط بالبنى التحتية للمناطق المنكوبة، وما إذا كانت التطورات العلمية سواء في مجالات البحث العلمي وعلم الزلازل وعلم الصخور أم في هندسة البناء أم في صناعة آلات الإنقاذ تساهم فعلا في تحجيم الآثار الكارثية للزلازل. ويُتوقع استمرار هذا السجال في الدول المتقدمة في مجالات العلوم والتكنولوجيا، ويُستبعد ان تتواصل السجالات في الدول المنكوبة نفسها.
وتكفي الإشارة إلى أن واحدة من القضايا التي تدفع للامتعاض والغضب ترتبط بمدى التزام مشاريع البناء والإعمار بما طرحته السلطات التركية والسورية سابقا من معايير لهذه الأعمال. فالزلازل ليست جديدة على تلك المنطقة وإن لم تكن في السابق قد بلغت حدتها إلى المستوى الذي حدث هذه المرة. وبرغم التاريخ الطويل للهزات الأرضية في العالم لم تسجل المنطقة سوى ثلاثة زلازل فقط بقوة ست درجات منذ العام 1970 وفقا لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية. لكن في العام 1822 تعرضت المنطقة لزلزال بقوة سبع درجات، مما أدى إلى مقتل نحو 20 ألف شخص. وتشير المعلومات إلى أن متوسط الزلازل التي تتجاوز قوتها سبع درجات بلغ أقل من 20 زلزالا على مر التاريخ، مما يجعل الزلزال الحالي ظاهرة خطيرة جدا. وبرغم تطور تكنولوجيا الأرصاد لم يتنبأ أحد بما حدث، بل كان الناس نياما عندما حدث التحرك الخطير في الطبقات الصخرية في باطن الأرض.
من المؤكد أن تتواصل النقاشات حول ظاهرة حدوث الزلازل وضرورة تطوير البنى التحتية في البلدان الواقعة على خطوط فوالق الزلازل. هذه المرة كان مركز الزلزال على بعد 26 كيلومترا تقريبا شرقي مدينة نورداي التركية وعلى عمق نحو 18 كيلومترا عند فالق شرق الأناضول. وأطلق الزلزال موجات في اتجاه الشمال الشرقي، مما تسبب في حدوث دمار في وسط تركيا وسوريا. وخلال القرن العشرين، لم يتسبب فالق شرق الأناضول في نشاط زلزالي كبير. يقول روجر موسون، وهو باحث فخري في هيئة المسح الجيولوجي البريطانية: «إذا تتبعنا الزلازل (الكبيرة) التي سجلتها المقاييس، فلن نجد شيئا يذكر». ومن المؤكد أن ارتفاع عدد الضحايا هذه المرة سيحدث ضغوطا كبيرة على السلطات في البلدين لإعادة تصميم سياساتهما الإنشائية والإسكانية، بالاضافة لتطوير قدراتهما العلمية والتكنولوجية لكي تتوفر لهما القدرة على التنبؤ المبكر باحتمال حدوث الزلزال برصد حركة الصخور تحت الأرض. أما الدول الكبرى فسوف تتعرض هي الأخرى لتساؤلات تارة ومطالب تارة أخرى بشأن سياسات الحفر العميقة أو التفجيرات النووية التي تجرى تحت الأرض، ومدى وجود دور لها في خلخلة التوازن الذي يحفظ مواقع الصخور. كما سيجد العلماء أنفسهم مدفوعين للبحث عن مدى تأثير التغيرات البيئية والمناخ على توازن الطبقات الأرضية واستقرارها.
الأمر المعروف أن الزلازل ظاهرة مستمرة منذ بداية وجود هذا العالم، وأنها تحدث بشكل منتظم. ووفقا لبعض الإحصاءات فان الأرض تتعرض لحوالي مليون زلزال سنويا، ولكنها خفيفة في الأعم الأغلب، تسجلها أجهزة الرصد الزلزالي وقد لا يشعر بها أغلب البشر، كما قد يُحدث بعضها تدميرا محدودا (بحدود 150 زلزالا في العام). ولا تحدث الزلازل ذات التدمير الشامل الأ مرة في العقد. وما تزال الذاكرة تحتفظ بالزلزال الذي وقع في العام 2004 بمنطقة جنوب شرق آسيا وكانت درجته 8.9 وأدى لوفاة حوالي 300 ألف إنسان وأكثر من مليون جريح وخمسة ملايين مشرد، وبلغت خسائرة اكثر من 12 مليار دولار.
وصاحب ذلك الزلزال الذي حدث وسط المحيط بالقرب من جزيرة سومطرة بأندونيسيا، تسونامي غير مسبوق أحدث طوفانا مرعبا جرف الأشجار والمنازل والبشر والحيوانات، وأحدث دمارا غير مسبوق. وبعد أقل من عام حدث زلزال عملاق في كشمير بدرجة 6.7 درجة بمقياس ريختر، وأدى لقتل 100 ألف إنسان وجرح ضعف هذا العدد. ونجم عنه حوالي 4 ملايين مهجّر، وشمل الدمار حوالي 60 ألف كيلومتر مربع. هذه الزلازل تكشف خطر الكوارث الطبيعية على حياة الإنسان، ومنها العواصف والبراكين والطوفان. وما يزال العالم في طور التعافي من وباء كورونا الذي توفي بسببه حوالي 7 ملايين إنسان. وإذا كانت مخاطر الزلازل آنية، بمعنى انها تحدث في وقت قصير جدا لا يتجاوز الدقائق ويحدث عنها هذا الدمار الشامل، فإن الأوبئة تمثل تحديا حقيقيا للإنسان. فهي تحدث ببطء وتستمر شهورا أو سنوات، وتضع على الإنسان مسؤولية البحث عن وقاية أو علاج.
لا أحد يستطيع منع حدوث الزلازل، فذلك خارج قدرة الإنسان، ولكن يمكن التقليل النسبي من آثارها المدمرة. يقول د. جلال الدبيك، الذي يحمل درجة الدكتوراه في الهندسة من جامعة كلوج نابوكا التكنولوجية الرومانية: «إننا لا نستطيع منع الزلازل، ولا يمكن التوقع بلحظة حدوثها بالضبط، لكننا نستطيع تقليل مخاطرها، وهذا يرتبط بمصدرها وموقعها وقابلية الإصابة في صفوف المدنيين والأبنية على حد سواء. وفي الوقت نفسه يتحتم علينا تحليل المخاطر وقابلية الإصابة، وتحديد أنواع التهديد، لنصل في النهاية إلى معرفة بمقدرة المجتمع ومؤسساته على مواجهة تبعات الزلازل».
ويحث د. الدبيك المؤسسات والأفراد وصنّاع القرار، على انتهاج سياسة الأخذ بالأسباب، والوقاية، قبل حدوث الكارثة للتخفيف أكبر قدر ممكن من تبعاتها وويلاتها. وقال: «يجب أن نعي تماماً أن الزلازل ليست بالضرورة عقوبة ربانية، كما يعتقد بعض الناس، فقد تكون امتحاناً لجاهزية الشعوب والدول، كما أن حصر دائرة الفساد عند الحديث عن الزلازل في مجال محدد، كالفساد الأخلاقي ساهم بطريقة غير مباشرة في تعزيز الحالة القائمة عند الأمة، فالفساد يجب أن يؤخذ بمعناه الشمولي، فمن لا يجدد علمه ويتابع تطوير مهنته، ولا يأخذ العبر من تجارب الآخرين وأخطائهم يعد فاسداً».
تعد ولاية كاليفورنيا واحدة من أكثر المناطق في العالم عرضة للنشاط الزلزالي، لكنها الأقل خسارة، كون الأبنية مصممة لمقاومة الهزات الأرضية، فيما انهارت مقرات الدفاع المدني والمستشفيات في أمريكا اللاتينية، وقتلت أطفالاً وأعضاءً في فرق الدفاع المدني. ووفقا للمعهد الجيولوجي البريطاني وكذلك المعهد الأمريكي فإن هناك ثلاثة أحزمة تقع فيها معظم الزلازل، أبرزها منطقة تسمى»الحزام الناري» أو «حلقة النار» على حافة المحيط الهادئ وتحدث فيها أكثر من 80 في المائة من الزلازل، نتيجة الحركة التكتونية المستمرة للصفائح في هذه المنطقة. ويمتد هذا الحزام من تشيلي شمالا على طول ساحل المحيط الهادئ لأمريكا الجنوبية إلى المكسيك في أمريكا الشمالية، مرورا بالساحل الغربي للولايات المتحدة، إلى الأجزاء الجنوبية من ألاسكا، ويمتد ليشمل جزر ألوتيان في المحيط الهادئ واليابان والفلبين وغينيا الجديدة وجزر جنوب غرب المحيط الهادئ ونيوزيلندا، حسب كتاب وورلد أطلس. اما الثاني فهو الحزام الألبي ويقع في منطقة تمتد لأكثر من 15 ألف كيلومتر من جاوة وسومطرة نحو المحيط الأطلسي عبر شبه جزيرة الهند الصينية، ويعبر جبال الهيمالايا وجبال إيران والقوقاز والأناضول والبحر الأبيض المتوسط. ويمثل هذا الحزام حوالي 17 في المائة من أكبر الزلازل في العالم، وشهد أكثر الزلازل تدميرا، مثل زلزال باكستان التي أودى بحياة أكثر من 80 ألف شخص في 2005، وزلزال إندونيسيا عام 2004، الذي تسبب في حدوث تسونامي أودى بحياة 300 ألف شخص. أما الثالث فهو حزام منتصف الأطلسي ويحدث تحت الماء بعيدا عن الأماكن الحضرية، لكن أيسلندا التي تقع مباشرة فوق منتصف المحيط الأطلسي تعرضت لزلازل كبيرة بلغت درجتها أكثر من 6.9 درجة.
وهناك خمس دول هي الأكثر عرضة للزلازل في العالم الصين وإندونيسيا وإيران وتركيا واليابان، حسب ما جاء في وورلد أطلس. واليابان وإندونيسيا من أكثر دول العالم بالنسبة لعدد الزلازل، أما الصين وإيران وتركيا فتعتبران من أكثر دول العالم تسجيلا لزلازل كارثية. لقد اصبحت الزلازل مصدر قلق كبير للعالم خصوصا بعد الزلزال الأخير. فما تزال أرقام ضحاياه في تصاعد، وربما الأخطر أثره على التوازن الصخري تحت الأرض، إذ ربما نجم عن ذلك ما قد يؤدي لزلزال آخر في المستقبل المنظور. يضاف إلى ذلك تصاعد احتمالات سقوط نيازك عملاقة من الطبقات الجوية العليا على الأرض، تساهم في تحريك الكتل الصخرية وحدوث زلزال كبير. إنها أمور لا يمكن التنبؤ بها، ولكن يمكن اتخاذ احتياطات أولية لتقليل آثار الزلازل المستقبلية. أما الأولوية الآن فتتمثل بالتعاون الدولي لتقديم العون المناسب لضحايا الزلزال في سوريا وتركيا، وتجميد الخلافات الايديولوجية والسياسية والتفرغ لجهود الإغاثة بعيدا عن الاعتبارات السياسية المعقّدة.