*أكرم عبد الرزاق المشهداني
تواصل الجهات الأمنية والقضائية في العراق حملتها لمحاسبة من تصفهم بـ “صناع المحتوى الهابط”، على منصات التواصل الاجتماعي، مع توالي اجراءات الملاحقة والقبض والمحاكمة والاحكام القضائية التي تصدر بحق المدانين منهم. وقد صدرت عدة أحكام قضائية بحق عدد من صناع المحتوى الهابط. وقد لقيت الحملة ترحابا وتقديرا من قبل المعنيين بالشأن الاجتماعي والأمني في البلاد، بعد أن استفحلت هذه الظاهرة المؤذية في السنوات الأخيرة مما تطلب التدخل الحكومي (أمنيا وقضائيا) للحد من هذه الأفعال الخادشة للحياء والمؤذية لسمعة المجتمع العراقي, وكانت وزارة الداخلية العراقية قد أعلنت، منتصف كانون الثاني الماضي، تشكيل لجنة مكلّفة برصد “المحتويات البذيئة والهابطة” على مواقع التواصل الاجتماعي التي “يسيء بعضها للذوق العام ويخالف الأخلاق والتقاليد” في المجتمع الذي لا يزال محافظاً إلى حدّ بعيد، وأُنشئت منصّة (إبلاغ) ليتمكن مستخدمو الإنترنت من الإبلاغ عن منشورات من هذا النوع ووضع مواقع التواصل الاجتماعي تحت رقابة لجنة أمنية خاصة جرى تشكيلها لهذا الغرض، لرصد المحتويات الهابطة وملاحقة صانعيها، فيما توعّدت بمحاسبة قانونية يخضع لها المخالفون.
اوضاع اجتماعية
وقد انطلقت شرارة الحديث عن مدى تأثير مشاهير (السوشيال ميديا) على الاوضاع الاجتماعية بشكل عام خلال اقامة بطولة خليجي 25 لكرة القدم في البصرة حيث انتقد اعلاميون ورياضيون تواجد (بلوكرات) في منصة الشخصيات الرئيسية VIP. ووصلت الحملة ضد هؤلاء الى اوجها بعد رؤية إحداهن في ملعب البصرة وهي تدخل بسيارة لأحد الضباط في حين مُنعت جماهير كثيرة من الدخول الى الملعب رغم امتلاكهم للتذاكر، وحصلت عمليات تدافع قرب بوابات المدينة الرياضية راح ضحيتها أبرياء.
وبعد إصدار أربعة أحكام متفاوتة، بحق أربعة من “اليوتيوبرية” والـ”بلوكرية”، بتهمة تصنيع وبث “المحتوى الهابط”، أعلن مجلس القضاء الأعلى، أنّ محكمة تحقيق العمارة صدقت أقوال أربعة متهمين بـ”نشر محتوى سيء للآداب وللذوق العام”. وبلغ عدد من جرى اعتقالهم من صناع المحتوى الذين يملكون حسابات على منصات (يوتيوب) و(فيسبوك) و(تيك توك) أكثر من 10 أشخاص من النساء والذكور حتّى الآن.
وأقرّت المحاكم المختصة بحق قسم منهم أحكاماً بالسجن مدداً تتراوح بين 6 أشهر وعامين بتهمة خدش الذوق العام والحياء، وذلك وفقا لأحكام المادة 403 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 والتي تنص:((مادة 403: يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين وبغرامة لا تزيد على مائتي دينار او باحدى هاتين العقوبتين كل من صنع او استورد او صدر او حاز او احرز او نقل بقصد الاستغلال او التوزيع كتابا او مطبوعات او كتابات اخرى او رسوما او صورا او افلاما او رموزا او غير ذلك من الاشياء اذا كانت مخلة بالحياء او الآداب العامة.
ويعاقب بالعقوبة ذاتها كل من اعلن عن شيء من ذلك او عرضه على انظار الجمهور او باعه او اجره او عرضه للبيع او الايجار ولو في غير علانية. وكل من وزعه او سلمه للتوزيع بأية وسيلة كانت. ويعتبر ظرفا مشددا اذا ارتكبت الجريمة بقصد افساد الاخلاق)). وقد اصدر رئيس مجلس القضاء الاعلى اعماما على المحاكم باتخاذ إجراءات مشددة بحق أصحاب المحتوى المسيء للذوق العام. وجاء فيه أنه” لوحظ من خلال الرصد الإعلامي استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لنشر محتويات تسيء للذوق العام وتشكل ممارسات غير أخلاقية إضافة إلى الإساءة المتعمدة وبما يخالف القانون للمواطنين ومؤسسات الدولة بمختلف العناوين والمسميات لذا اقتضى اتخاذ الإجراءات القانونية المشددة بحق من يرتكب تلك الجرائم وبما يضمن تحقق الردع العام”.إشكاليات قانونية وتوصيف فضفاض:وقد أثيرت عدة اشكاليات قانونية بشأن هذه الاجراءات ومن اهمها:
1- عدم وضوح التوصيفات القانونية التي ترتبط بتطبيق نص قانون العقوبات على افعال (نشر المحتوى الهابط) وما يتصل به من توصيفات ومفاهيم ما زالت ضبابية وفضفاضة وغير محددة بنص القانون وهي ( الاخلاق العامة، الآداب العامة، مفهوم المحتوى الهابط، مفهوم المحتوى المسئ، مفهوم الذوق العام، ومتى يعتبر النشر بوسائل التواصل قد أخل بأحد من هذه المعايير الفضفاضة؟). وهذه المصطلحات ليست محل اتفاق بين الفقهاء وشراح القانون داخل وخارج العراق، لعدم وجود ضوابط حاكمة وفاصلة لتحديد مايدخل ضمن كل من هذه العناوين.
تكميم الافواه
2- الخشية من ان تتطور هذه الحملة الى تكميم الأفواه واستهداف الأقلام المعارضة، وحرية التعبير، وملاحقة اصحاب الراي وهم يعلنون ارائهم الانتقادية بحق الحكومة القائمة واجراءاتها من سياسية واقتصادية وغيرها.
3- بل وتساءل البعض (كيف تقام العدالة بحق الهابطين وتتهاون في ملاحقة اللصوص وسراق المال العام ومحرضي الفتن).
4- إن مفهوم “الذوق العام” ليس له تعريف واضح لا في الدستور ولا في القانون، ولكنه جزء من النظام العام والآداب العامة وجزء من الاعراف والتقاليد السائدة في المجتمع.
الموقف القانوني
يرى المؤيدون للإجراءات الصارمة التي اتخذتها وزارة الداخلية والقضاء العراقي بحق مرتكبي جريمة نشر المحتوى الهابط المخل بالأخلاق والآداب العامة إن “المحتوى الهابط يحتل مستوى متقدم في البلاد مثل المخدرات، فضلا عن أنه شوَّه صورة الشعب العراقي وأثَّرَ في سلوكيات المجتمع”.
كما أن “الدستور العراقي قد نص في المادة 29 أولاً على حماية الاسرة وقيمها، والمحتوى الهابط أضر في القيم المجتمعية”، كما أن “قانون العقوبات في الكتاب الذي عنوانه بالجرائم المضرة بالمصلحة العامة نص عليها بالمواد من 399 – 404 وحدد المعايير التي تبين المحتوى الهابط”..ان كل هذه الاشكاليات المصاحبة لتنفيذ اجراءات الحد من جرائم نشر المحتوى الهابط، تتطلب تشريعا واضحا ووافيا بتوصيف هذه الافعال وفرض العقوبة المناسبة لحجم الضرر والاساءة، وان تلحق بها افعال الابتزاز الالكتروني والاحتيال الالكتروني وانتهاك حرمة الخصوصية وغير من الافعال المرتبطة باساءة استعمال وسائل التواصل الالكتروني.
*مستشار قانوني وأمني
نقلا عن جريدة الزمان