هل فشل الإنسان في التعامل مع الطبيعة؟

د. آمال موسى

هل نحن بحاجة إلى تذكير الطبيعة لنا بقوتهاوجبروتها، وأن الإنسان لم يقهرها كما يعتقد؟

في المطلق قد نكون بحاجة لذلك، لأن الإنسان ينسىبطبيعته، ولكن نحن لم نتخلص تماماً من «الكوفيد19»، ولم نعالج الجراحات التي تركها في الشعوبوالنفوس والقلوب والاقتصاديات بعد.

مؤشرات عدة تشير إلى أن الإنسانية دخلت مرحلةسطوة الطبيعة من جديد على الإنسان: مشهدالجثث والأطفال والنساء والرجال الموتى والملتاعينلفقدان أسرهم وأحبابهم لا يحتمل غير الصمتالدامغ والوقوف عند الحقيقة التي من قرونوالإنسان يعمل على تجاوزها، وبناء مجده العلميمن أجل قهر الطبيعة، ومحاربة الخوف الذي يحملهتجاهها. حقيقة أن ضعف الإنسان عندما تقررالطبيعة الإعلان عن قوتها وقدرتها على البطشبالإنسان ما فتئت تتواتر حتى أن البعض يصفهابغضب الطبيعة، وفي هذا طبعاً استعادة لنفسالتفاسير الأولى للإنسانية، حيث كان الإنسان فيطور التعاطي مع الطبيعة تلبَّسه الخوف منها، فأولخوف عرفه الإنسان كان من الطبيعة وهو أم المخاوفوأقدمها.

طبعاً من المهم التذكير بأن هذا الخوف كان محفزاًللإنسان للإبداع والابتكار وللاختراع ولاكتساب القوةللدفاع عن نفسه ضد الطبيعة وأهوالها. لذا فقد لجأالإنسان إلى الله لاكتساب الحماية واللطف منهبوصفه العنوان الأكبر للقوة. فبدأ الإنسان يلجأ إليهفي كل مرة يشتد فيها احتدام الطبيعة.إن الظواهرالطبيعية ليست جديدة، لكن وتيرتها جديدة. وهنانجد أنفسنا في قلب تداعيات تغير المناخ الذي مازال البعض من المجتمعات يتعاطى معه من زاويةكونه ترفاً وموضوعاً من الموضوعات الموضة الذيتطرح للنقاش، والحال أنه موضوع حارق وفي منتهىالجدية. والتداعيات المقصودة هي ارتفاع درجاتالحرارة واستمرارها حتى بعد دخول فصل الشتاء،وهو في حد ذاته غضب غير مباشر من الطبيعة،ولكنه مكلف من ناحية الجفاف وقلة الماء وتضررالقطاع الفلاحي، مما يعطل أداء وظيفة توفير الأمنالغذائي مع ما يعنيه ذلك من ارتفاع للأسعار ومناضطرار للتوريد، وفي صورة عدم التمكن من ذلكفإن الجوع هو المصير. أيضاً من التداعيات الأخرىلتغير المناخ الفيضانات والحرائق والزلازل، ويحصلذلك رغم تطور أنظمة المراقبة العلمية مما يؤكد حقيقةمن المهم الاعتراف بها، وهي أن الطبيعة ما زالت فيقمة قوتها.

السؤال: هل فشل الإنسان رغم كل إنجازاته العلميةالخارقة للعادة في التعامل مع الطبيعة؟

نعتقد أن الفشل لا علاقة له بمحدودية منجزالإنسانية الذي يظل مهماً، ومن خلاله تمكن الإنسانأيضاً من تسجيل أهداف حقيقية والسيطرة علىالطبيعة، باعتبار أن العلم والتمكن من بعض أسرارالطبيعة ساعدا الإنسانية على توفير الحمايةوالتسلح ضدها وتذليل مساحة الخوف.

المشكلة الكبيرة التي انبنت عليها مقاربات تغيراتالمناخ ذاتها، هي تحميل الإنسان مسؤولية هذهالتغييرات بسبب أنشطته التي كانت ضد الطبيعة،وهنا نقصد الحروب والأسلحة المضرة بالطبيعةوالتلوث. وكما نلاحظ أن الدول التي اعتمدت التوسعواستعراض القوة ضد الأضعف منها من ناحيةامتلاك الأسلحة وغير ذلك، هي المسؤولة عن كلتغيرات المناخ أولاً وعن ردود فعل الطبيعة الغاضبة.

طبعاً غضب الطبيعة لا يميز بين القوي والضعيف،والغني والفقير، والمتقدم والمتخلف، رغم أن الذييدفع التكلفة غالية بجميع المعاني هم الفقراءوالضعفاء والمتأخرون عن الركب التكنولوجي.

صحيح أننا من سنوات أصبح هناك خطاب يُحملالدول ذات الصف الأول في العالم مسؤولية غضبالطبيعة بسبب أنشطتها التي يدفع انعكاساتها كلالإنسانية، ولكن هذا الخطاب ما زال محتشماً، ولقدآن الأوان كي ترتفع نبرة هذا الخطاب، ويتم توجيهبوصلة النضال نحو محورين كبيرين: أولاً ضرورةتوقف الأنشطة المتسببة في تغيرات المناخ، ولا مناصمن موقف أممي يتحمل مسؤوليته في الدفاع عنالإنسانية، ومحاولة السيطرة على الخسائر التيبدأت تتواتر، وواضح أن الطبيعة سائرة في طريقتلقين الإنسان الدرس الذي تناساه وتذكيره بقوتهاالتي لا تقهر.

أما المحور الثاني، فهو يتمثل في ضرورة تمويلمجابهة تغيرات المناخ، وهي ليست مساعدات كمايعتقد، بقدر ما هي تعويضات يجب أن تقدمها الدولذات الأنشطة المتسببة في تغيرات المناخ للدولالضحية.

وللعلم، فإن هذه الأنشطة المتمثلة في الحروبوالتوسع وغيرهما، قد يطوي صفحتها التاريخ، ولكنالطبيعة تستبطنها وتعيد إنتاجها حرارةً وجفافاًوفيضانات وزلازل.

وبسبب هذه الأنشطة يكون الإنسان قد فشل في قهرالطبيعة.

قد يعجبك ايضا