حامد شهاب
شبح ورعب آخر أكثر إرهابا ، تعيشه العوائل العراقية، هذه الأيام ، يتمثل في تدهور خطير ومتسارع في أحوال التربية والتعليم في المدارس الإبتدائية والثانوية وحتى الجامعات، ربما لم يكون بهذا الحجم والمأساة الرهيبة في السنوات السابقة ، وإن امتد هذا التدهور والانحطاط ، منذ يضع سنوات، لكنه اليوم خطر داهم لم يعد يحتمل، وهو الآن بحاجة فعلا ألى ( إعلان حالة الطوارئ ) ، للبحث عن ( خارطة طريق ) لإنقاذ العملية التربوية من حالات التدهور والانحدار !
لقد راحت آلاف العوائل العراقية ، تشكو أحوال أبنائها من عدم بذل معلمي المدارس ومدرسيها أي جهد ، في المدارس الحكومية والأهلية على حد سواء، وإن كانت الأهلية أكثر التزاما ، في بعض الأحيان، لكن التدهور يمتد اليها يوما بعد آخر ، ولا يوازي حجم التكاليف الباهظة في الأموال التي تدفعها تلك العوائل لهذه المدارس، وهي تقدر سنويا بالملايين .
والمشكلة ، كما تؤكد تلك العوائل، وهم بالآلاف، أن لا يكون بمقدور المدرسين والمعلمين إدخال تلك المواد في عقول طلبتهم، وراحت تلك العوائل تصب لعناتها على ما وصل اليه حال التعليم والتربية في العراق من مستويات خطيرة ، تنذر بكوارث ، وتهدد مستقبل العملية التربوية وأجيالها في الصميم ، كما أن عدم توزيع كتب ومناهج دراسية منذ بداية كل عام دراسي، هو من يؤدي الى تراكم المواد على الطلبة وعدم قدرتهم على استيعابها.
وترى العوائل العراقية منهكة وتلطم أقدارها اللعينة على أحوال أبنائها في مدارسهم، التي لم تعد مدارس بل مراكز محو أمية ، ويضطرون في الغالب الى البحث عن معلمين مدرسين خصوصيين لأبنائهم وبناتهم، تكلفهم مبالغ طائلة ، لمن لديه أكثر من طفل وطالب متوسطة او إعدادية او حتى إبتدائية ، أو أن بعض أفراد تلك العوائل يقومون بتدريس أبنائهم لساعات طويلة في اليوم ، واحيانا يمتد تدريسهم الى ما بعد منتصف الليل ، وفي أحيان أخرى الى الفجر ، إن كان لديهم من أفراد العائلة من لديه خبرة ولو بسيطة في شؤون موادهم الدراسية، التي تحولت الى جحيم، لا يفقه الطلبة والتلاميذ أي شيء عما يتم تدريسهم في مدارسهم وخلال دقائق معدودة، حيث لا يبذل المعلمون أو المدرسون أي جهد لايصال المادة ، الى أذهان طلبتهم، إلا ما ندر.
وتشكو آلاف العوائل العراقية كل يوم مآسي أبنائها وبناتها ، الذين لا يفقهون أي شيء عن موادهم الدراسية ، إذ ليس بمقدور أعداد لابأس بها من التلاميذ في الصفوف الخامسة والسادسة الإبتدائية أن يكتبوا حتى إسمائهم كاملة، وكأنهم أميون ، وأحيانا يكون من يدرسهم من المبتدئين، وهم على شاكلتهم ، لا يقدمون للطلبة والتلاميذ في المدارس الابتدائية والثانوية ، وحتى على صعيد الكليات، مادة يمكن أن تستوعبها عقولهم ، في أغلب الأحوال، كما يقول كثيرون!!
ولو بذل أغلب المعلمين والمدرسين جهودهم للنهوض بالعملية التربوية ، من خلال تلخيص مناهجهم وموادهم الدراسية للطلبة والتلاميذ بصفحات مختصرة ، لكان اكثر جدوى ونفعا من الكتب المنهجية ذات المواد والعناوين الكثيرة والمعقدة والطويلة.. ولما وصلت مستويات الرسوب الى كل تلك الأرقام الخيالية المرعبة كل عام !!
ويؤكد خبراء تربية وتعليم أن ما وصل اليه حال التعليم في العراق يدق أجراس الخطر من هول المستويات الضحلة والتي تشكو انحدارا لامثيل له في التربية والتعليم، وتؤد بعض العوائل لو تم الغاء المدارس فعلا ، إذ لا جدوى من بقائها، كما يقولون ، حيث تتولى العوائل بنفسها مهمة تدريس أبنائها وبناتها في بيوتهم ، وهو أجدى من بقاء تلك المدارس وبمستويات التدريس الضحلة التي يكتفي فيها أغلب الأساتذة والمعلمين بشرح المادة لدقائق معدودة، ويتم إعطاء عشرات الصفحات لهم كل يوم من أغلب المواد، حيث يضطر الطالب لقراءة خمس الى ست مواد ، وكل مادة من أربع الى ست صفحات، وهم لايستوعبون أي شيء خلال المحاضرات!!
والعملية التربوية ، برمتها ، كما يقولون ، هي مجرد ضحك على الذقون، وبخاصة مدارس في أطراف بغداد في أبو غريب والمحمودية والشعب والمدائن وحي العامل وحي الجهاد وبقية أحياء بغداد .
وفي المحافظات أيضا يعاني أهاليها من تلك الأزمة الخطيرة، ، إذ لا تجد محافظة عراقية إلا وتشكو من تدهور أحوال التعليم للتلاميذ والطلبة في كل المراحل الدراسية من الابتدائية وحتى الجامعة.. والمعاناة القاسية تكون للمراحل المنتهية ( البكالوريا ) ، التي لا تجد قدرا من الاهتمام يوازي حجم المرحلة الدراسية الصعبة والمعقدة، والتي يكون فيها المعدل هو الفيصل للطالب ، وبخاصة في المرحلة الإعدادية، التي تحدد مستقبل طل طالب ..فهي إما توصله الى مبتغاه، أو تهوي به الى القاع، في أغلب الأحوال.
لكن بالمقابل هناك مدارس داخل بغداد ، تكون فيها مستويات التدريس مقبولة، وأخرى عالية، كونها تمتلك مدرسين كفوئين ، وهو ما يخرج أجيالا ، هم من نعول عليهم في بناء معالم العراق ونهضته ، بعون الله ، لكن يبقى عددهم قليل، في كل الأحوال، ويشكلون استثناء وليس قاعدة!!
والطامة الكبرى هي أن لا يجد الطالب بعد تخرجه أي مستقبل يوازي حجم الجهد الذي بذله أهله والتكاليف التي أنفقوها عليه طوال تلك السنوات ، ويتحول الطالب الى عاطل عن العمل ، بعد كل تلك السنوات التي أضاعها من عمر شبابه دون جدوى .
كما أن الحديث عن انتشار المخدرات في المدارس ( بنين وبنات ) ، أمر في غاية الخطورة وينبغي مواجهة تداعياته قبل فوات الأوان .
إن أحوال التربية والتعليم في العراق، وقلة عدد المدارس وتهالك وقدم أغلبها ، وعدم وجود ملاكات تدريس كافية ، تدق جرس الإنذار، لكي يتم دراسة كيفية انتشالها من هذه الفوضى وحالات الفلتان والتدهور على كل المستويات!!
وما نريد تأكيده في خاتمة هذا الاستعراض أن نضع أمام مجلس الوزراء والجهات البرلمانية والتربوية العليا، مسؤولية النهوض بمستويات التربية والتعليم، التي انحدرت الى هاوية سحيقة ، وهي بحاجة الى ( إعلان حالة الطوارئ ) الفعلية لها، إن أريد انتشالها من مستوياتها المتدحرجة في الانحدار ، والتي تهدد بكوارث لا تحمد عقباها على مستقبل العراق وأجياله ، وهي مرحلة عصيبة وخطيرة فعلا، ينغي إعلان الحرب على إرهابها ، قبل أن يستفحل ويبلغ مدياته التي لا يمكن السيطرة عليها بعد سنوات!!