متابعة ـ التآخي
افاد تحقيق صحفي بريطاني تحت عنوان “تلوث الهواء : السر القذر للأرباح القياسية لشركة بريتش بتروليوم“، ان بيانات الأقمار الصناعية، اوضحت أن حقل الرميلة في البصرة، جنوبي العراق هو اسوأ حقل نفطي من ناحية معدلات الانبعاثات الناتجة عن غاز الشعلة في العالم كله.
وغاز الشعلة ليس فقط مصدر مهم لانبعاثات الغازات التي تتسبب في ظاهرة الاحتباس الحراري بل إنه من المعروف أنه مسؤول عن انبعاثات البنزين النفطي الذي يزيد من مخاطر الإصابة بالسرطان خاصة سرطان الدم عند الأطفال.
ويبين التحقيق ان عشرات الأشخاص الذين يعيشون في تجمعات بالقرب من حقول نفط، مثل حقل الرميلة، أخبرونا بالقصص نفسها، وأكدوا أن لديهم قريباً أو صديقاً يعاني من مرض السرطان وغالبا سرطان الدم.
أحد هؤلاء هو علي الذي كان يبلغ ثمانية عشر عاماً حينها وباع والده كل شيء في منزله لجمع ما يكفي من مال للإنفاق على علاج ابنه في تركيا؛ ويقول علي إن مستشفى السرطان في البصرة مليء بأشخاص مثله ممن يعيشون بالقرب من حقول النفط .
والرميلة التي تأوي عدة آلاف من الأشخاص تعرف باسم “مدينة الظل” من قبل السكان؛ لأنها مقطوعة عن بقية المناطق وتفتقر الى الخدمات الأساسية. ويطلق علي وأصدقاؤه عليها إسم ” المقبرة” .
ويتابع التحقيق بالقول انه لا تتواجد دراسات وارقام منشورة عن معدلات السرطان في أوساط هذه المجتمعات واكتشفنا فيما بعد أن البيانات الخاصة بهذا الموضوع تتحفظ عليها باستمرار الحكومة العراقية، على حد قول التحقيق “وقد كشفت وثيقة صادرة عن وزارة الصحة العراقية سربت إلينا أن معدل الاصابة بالسرطان أعلى بثلاث مرات في البصرة مما هو وارد في السجلات الرسمية“.
ويقول معدو التحقيق انهم واجهوا المصاعب في الحصول على الاذن للدخول الى المنطقة والتصوير بأنفسهم “فقد رفضت طلباتنا الرسمية خمس مرات في الأقل“.
وحقل الرميلة الذي يمتد على مساحة 1800 كيلو متر مربع أكبر من بعض الدول الصغيرة ومحاط بعدة نقاط تفتيش ووراء هذه النقاط، ثمة دوريات من شرطة حقول النفط وشركات أمن خاصة تعمل لصالح شركات النفط تجوب المنطقة؛ واستنادا الى ما يقوله التحقيق فان “وراء كل هذا مجموعات ميليشيا مسلحة تهيمن على الحياة السياسية في الجنوب وتتربح من انتاج النفط في هذه المنطقة“، مشيرين الى ان “الخيار الوحيد أمامنا هو الذهاب الى الرميلة سراً“.
ويردف التحقيق “عملنا مع عالم بيئة في المنطقة وهو الوحيد الذي يعمل في هذا المجال، لإجراء اختبارات على مدار أسبوعين على أبناء التجمعات السكانية المجاورة لأربعة حقول نفط في نطاق 10 كيلومترات من أبراج غاز الشعلة، بما فيها حقل الرميلة، كما أخذنا عينات من بول الأطفال لكشف تواجد أي مظاهر تسمم مرتبطة بالتعرض لعمليات حرق الغاز“.
ويلفت التحقيق الى ان نتائج الاختبار تبين أن 52 طفلاً ممن أجري لهم الاختبار، يتواجد في اجسامهم مستويات مرتفعة من “النفثالين الأيضي“ في العينات وهي مادة يعتقد أنها مسرطنة “وأظهرت اختبارات الهواء التي قمنا بها وجود مستويات من البنزين أعلى بثلاث مرات من الحد المسموح به في أنحاء البلاد وكان أعلى بكثير في جميع الأماكن من الحد الآمن الذي تقول منظمة الصحة العالمية أنه يجب أن يكون صفراً“.
ويتابع التحقيق انه بعد بث فيلمنا الوثائقي، تعهد وزير النفط العراقي الذي انتهت ولايته مؤخرا إحسان عبد الجبار اسماعيل، بأن كل انبعاثات الغاز من حقل نفط الرميلة سيتم التخلص منها بحلول 2026 لكنه قدم هذا التعهد في آخر يوم له في منصبه كما أن جميع التعهدات السابقة التي التزمت بها الحكومة بشأن حرق غاز الشعلة لم يتم الوفاء بها، بحسب قولهم، منوهين بالقول “ومع ذلك ليس من الواضح على عاتق من تقع المسؤولية القضاء على حرق الغاز، فالحكومة العراقية تمتلك حقل النفط لكن شركة بريتش بتروليوم هي التي تديره إلى جانب شركاء لها“.
ويضيفون ان وزير النفط العراقي في حينه اخبرنا، أن خفض حرق الغاز يقع على عاتق الشركة فيما تقول الشركة إن المسؤولية تقع على عاتق مشغلي حقل النفط وهي هيئة تشغيل الرميلة (روو) التي أسستها الشركة بالمشاركة مع شركات أخرى وتمتلك حصة 48% فيها.
ويواصل التحقيق، ان أحد الموظفين السابقين في الرميلة ويدعى “روبرت“ اخبرهم “بما أن الشركة هي المتعهد الرئيس فعليها التزام أمام الحكومة العراقية بالتقيد بأفضل الممارسات الدولية عند التشغيل والصيانة لحقل الرميلة“،وأردف قائلاً إن حرق الغاز ليس سوى واحدة مما يصفه بالممارسات البغيضة في الرميلة التي لا يمكن أن تكون مقبولة بأي حال في عمليات بريتش بتروليوم كما أنها لاتتوافق مع المعايير الدولية التي التزمت بتنفيذها عند التعاقد معها، على حد وصفه.
ويردف التحقيق، إن الاخفاق في صيانة وتحديث النظم والبنية التحتية في الحقل تسبب في مشكلات مستعصية وأدت الى “تسربات نفطية بصورة متكررة وحرق غاز وتسربات غازية لم يتم التخطيط لها”، مزيدا ان الشركة اطلعت على أدلة بالفيديو لتسربات نفطية كبيرة في حقل الرميلة.
من جانبه المتحدث باسم شركة بريتش يتروليم، يقول “أود أن أفند بشدة المزاعم التي ذكرتموها فيما يتعلق بالسلامة التشغيلية في الرميلة. منذ أن عملت بي بي في العراق وبالتعاون معها شركاءها ادخلت تحسينات كبيرة ….وبعد سنوات من الصراع وتراجع الاستثمارات مازال يتعين عمل المزيد واننا ملتزمون تماما بادخال مزيد من التحسينات على حقل الرميلة وبصفة عاجلة”.
وبحسب التحقيق توفي كثير من الأطفال الذين كانوا يعانون من السرطان “الذين قابلناهم ونأسف لفراقهم بمن فيهم فاطمة ومصطفى اللذان كانا يبلغان 13 عاماً وكانا يعيشان بالقرب من حقول نفط اخرى في المنطقة وكذلك الطفلة بنين البالغة من العمر خمسة أعوام التي فقدت أخاها الأكبر متأثرا بهذا المرض أيضاً“.
ويشكو المريض “علي” من انه تحدث مراراً لشركة بي بي بغية الحصول على تعويضات عن حرمانه من التعليم الذي لم يكمله وقال إن موظفاً من هيئة تشغيل الرميلة زاره ذات يوم بعد إذاعة تحقيق البي بي سي وطلب منه مرة أخرى دفع تعويضات “ذكرت له المرض الذي أعاني منه جراء التلوث وسألته إن كانت الشركة ستعوضني عن الضرر الذي لحق بصحتي، لكنني لم أسمع منهم منذ ذاك الحين”.
وقال متحدث باسم الشركة “بدأت بريتش بتروليوم بالعمل مع شركائها في الرميلة في النظر في القضايا المثارة وكيفية معالجتها حسب الضرورة وهذا يشمل مراجعة العمليات والاجراءات المتبعة لدعم المجتمعات المحلية وتفهم جوانب القلق لديها وهذه عملية متواصلة”.
وقدر موظفون من داخل الشركة يقول التحقيق انه تحدث اليهم كلفة التحسينات التي تهدف الى الحد من الانبعاثات الناتجة عن حرق غاز الشعلة ما بين 3 الى 5 ملايين دولار وهو جزء بسيط جداً من اجمالي أرباحها ربع السنوية القياسية التي بلغت 8 مليارات دولار حسبما أعلنت الشركة.