هل يفلح السوداني في انجاز ما عجز عنه الآخرون؟ ازمة السكن تتفاقم واسعار العقارات تصل الى مبالغ خيالية
بغداد ـ التآخي
ضمن تصريحاته الاخيرة قال رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، انه شكل لجنة لإعادة النظر بتوزيع الاراضي السكنية للدرجات الخاصة وبعض الاستثناءات وسنعمل على استرجاعها ولن نكتفي بالمعاقبة، بحسب قوله.
وفي الحقيقة فان هذا جانب مهم يضاف الى الجوانب الاخرى التي تسببت في تفاقم مشكلة السكن وحرمت على المواطن الفقير او محدود الدخل اقتناء ارض او بيت لاسكان عائلته، واصبحت اقامة المنازل والتعامل بالاراضي لاسيما في مركز العاصمة بغداد حكرا على الاغنياء والفئة المتنفذة المستحدثة لاسيما من “السياسيين” بحسب المراقبين.
وعلى سبيل المثال ترتفع اسعار العقارات في بغداد وبخاصة في مشاريع الشقق التي يعلن عنها، التي كان السكان يأملون في ان تؤمن لهم المسكن بمبالغ معقولة، لاسيما بعد التجربة الناجحة في منطقة بسماية، اما عروض اليوم فتطلب مبالغ خيالية جدا لأسعار الشقق، مثلا شقة في مشروع بوابة العراق تعرض بـأكثر من ٥٠٠ مليون دينار عراقي بحسب اعلاناتهم المنشورة، اذ طلبوها بالعملة الصعبة بـ 350 الف دولار مثلما ورد في الاعلان؛ اما مجمع زهور بغداد السكني “الواقع على سريع محمد القاسم امام بغداد الجديدة” فيعلن عن شقة مساحتها 80 متر مربع تحتوي على غرفتي نوم فقط بـ 107 مليون دينار.
مع العلم ان شكاوى تقدم بها مسجلون على شقق ذلك المجمع في وقت سابق بسبب تلكؤ المشروع وقالوا ان اكثرهم يضطرون وعلى مدى سنوات لدفع أقساط شهرية لمصرف الرشيد تبدأ من 300 ألف الى 550 ألف دينار شهريا قبل تسلم الشقة، فيما قام بعضهم بتسليم الدفعة الاولى كاملة ولازال ينتظر لأعوام من دون جدوى، بحسب ما يصرحون به لوسائل الاعلام، وقالوا انهم يجدون أنفسهم مضطرين للانتظار الى أمد غير معلوم، برغم أن موعد تسلم الوحدات السكنية كان محددا بـ2016، بحسب قولهم.
والمفارقة هنا في توالي قرارات قروض الاسكان في العراق ابتداء من قرض ١٠٠ راتب للموظفين لأغراض السكن، وقرض 50 مليون دينار وآخرها قرض 150 مليون دينار للبناء لمن يمتلك قطعة أرض سكنية؛ وليس انتهاء بقروض الاسكان من دون فوائد، ويقول المراقبون ان ذلك لم يعالج مسألة السكن التي تتفاقم يوما بعد يوم ولم نلحظ انفراجا للازمة وامتلاك الناس لمنازلها او شققها الخاصة بها.
اما ما يسمى بمشروع “داري” الذي اعلنت عنه الوزارة السابقة فشهدت الاجراءات المتعلقة به اخبارا متضاربة وتصريحات متناقضة تتعلق بالمشروع؛ فبعد عام من اطلاق المشروع والترويج الاعلامي بشأنه، صدمت لجنة الخدمات والاعمار النيابية المتقدمين على المشروع بتصريح انتشر اوائل تموز 2022 جاء فيه ان مشروع “داري” للسكن لا تواجد له على ارض الواقع، بحسب تعبير عضو فيها، قال أنه برغم مرور عام على المبادرة الا ان الحكومة لم تفرز أي أراض لغاية الان خاصة بالمشروع، فضلا عن ان “الحكومة ليس لها دراية بمواقع الأراضي التي يجب ان تفرز”، بحسب قوله، مردفا ان “مشروع توزيع الأراضي يجب ان يكون وفق خطة يتم اعدادها بشكل دقيق وتوفير كافة الاحتياجات والخدمات والبنى التحتية لكي لا تتفاقم المشكلات التي تعاني منها المدن العراقية”، على حد وصفه.
وكان رئيس مجلس الوزراء العراقي السابق، قد اعلن في شهر آب 2021 إكمال التسجيل على قطع الأراضي ضمن المشروع، وقال مكتبه الإعلامي انه سيجري الإعلان عن أسماء المستحقين الذين سجلوا في الموقع الإلكتروني في غضون شهر، فيما لفت الى ان عدد الاستمارات المستوفية للشروط عبر الموقع الإلكتروني لمشروع “داري” بلغ 3.463.921 استمارة، وكان قد اعلن في حزيران 2021، عن تخصيص نصف مليون قطعة أرض لعموم العراقيين، وقال حينها انه يتابع “شخصياً” التقديمات عبر الموقع المخصص لها، وأضاف في مقابلة تلفزيونية ان “القطع مخصّصة لذوي الشهداء، وللعائلات الفقيرة، وللصحفيين، ولموظّفي الدولة، وستُوزّع بكل أنحاء العراق»، على حد قوله.
وفيما قدرت لجنة الخدمات في البرلمان الاتحادي، حاجة البلاد الفعلية من الوحدات السكنية بنحو خمسة ملايين وحدة سكنية، أعلنت وزارة الإعمار والإسكان، أن مشاريع المدن الجديدة التي تعمل عليها الوزارة ستوفر ثلاثة ملايين و550 ألف وحدة سكنية.
وفي اوائل حزيران 2022,حدد مستشار رئيس الوزراء لشؤون الإعمار والإسكان، موعد توزيع سندات الأراضي ضمن المشروع، فيما أوضح تفاصيل المرحلة الأولى من المشروع، وقال إنه “سيتم قريباً بشكل رسمي وبحضور رئيس مجلس الوزراء، توزيع سندات الأراضي ضمن مشروع داري”.
وفي شتاء عام 2022، حذر المهندس الاستشاري العامل ضمن مشروع “داري” في بغداد، من أن “بناء المجمعات السكنية مستمر في بغداد وبقية المحافظات، وهي جيدة من حيث البناء والخدمات، لكنها تتركز فقط بيد أصحاب رؤوس الأموال، وهم الجهة الوحيدة المستفيدة من هذا التطور العمراني، لا سيما وأن أسعار الوحدات فيها غالية جداً وتتراوح ما بين 100 إلى 200 ألف دولار أميركي، وهي بعيدة عن متناول الأسر المحتاجة والفقيرة”.
ويقول متخصصون، إنّ “مبادرة داري الحكومية تعتمد على توزيع قطع الأراضي للمواطنين”، متسائلين عن “جدوى تسليم الفقير قطعة أرض لا يستطيع بناءها”، منوهين الى ان هناك أكثر من 760 ألف قطعة أرض موزعة منذ زمن النظام المباد ولغاية الآن لا تزال متروكة من دون بناء لعدم وجود بنية تحتية، مشيرين الى انها غير مخدومة بشكل تام ولا تتوفر فيها لا كهرباء ولا ماء ولا مجارٍ ولا طرق معبدة وهي داخل حدود العاصمة بغداد، كما في مناطق الكاظمية الجديدة والدورة والغزالية والشعب وبغداد الجديدة، وغيرها من المناطق التي جرى توزيعها فعلا ولم تحظَ بأي خدمات بلدية، وأصحاب قطع الأراضي هذه لا يستطيعون بناءها لأنها غير صالحة للسكن لعدم توفر الخدمات فيها، بحسب قولهم.
وباستطلاع رأي بعض الناس في مشروع “داري” يقول ممثلون عن شريحة الكسبة انهم لا زالوا يسكنون بالإيجار معبرين عن بأسهم من امتلاك دار؛ وفيما يتعلق بإجراءات المراجعة والتسلم يقول البعض ان ذلك يجري بأسلوب متخلف عن طريق الرسائل النصية بالهاتف، لافتين الى ان الجهات المسؤولة اصدرت اعماما جاء فيه ان على الذين تسلموا رسالة نصية لغرض التدقيق ولم يراجعوا، الإسراع بمراجعة البلدية المذكورة في الرسالة النصية وبخلافه يسقط حق المواطن في التقديم ويعد لاغياً، بحسب الاعمام، فيما يقول مواطنون ان ذلك الاجراء غير سليم اذ ربما تكون الرسالة قد مسحت او جرى ازالة بيانات الهاتف لسبب ما مناشدين الجهات المعنية بتحديد موقع الكتروني لادخال البيانات للرجوع اليه في أي وقت.
ويقول المراقبون انه برغم هذه المبادرات، الا أن السكان لم يشعروا فعلياً بحدوث أي انفراجة في سوق العقارات، و تقول موظفة تنوي شراء عقار “صدمت بارتفاع أسعار العقارات وان أسعار المجمعات الاستثمارية خيالية وغير واقعية، برغم أن مواد البناء عادية جداً”.
وقال آخر “من غير المعقول أن تباع أقل وحدة سكنية في أحد المجمعات ببغداد بسعر 300 مليون دينار، وتصل الى نصف مليار، في حين لا يتجاوز راتبي في أفضل الاحيان المليون ونصف المليون دينار، أي احتاج إلى 20 عاماً لشراء أصغر وحدة سكنية مساحة من دون ان أصرف ولا دينار لأمور المعيشة أو الأولاد”.
السكن في الأراضي الزراعية والتجاوز
من الجدير بالذكر ان المعضلات الكبيرة التي تتعلق بأوضاع السكن في العراق تولدت نتيجة غياب سياسات اسكان شاملة، ادت الى لجوء أعداد متزايدة من السكان الى شراء الاراضي الزراعية والبناء فيها برغم معرفتهم ان ذلك مخالف للقانون، كما تحاول الحكومة التوصل الى حلول لقضية السكن بالتجاوز التي توسعت كثيرا لانعدام المعالجات.
وبسبب تحول الامر الى واقع حال، تتزايد الدعوات لتحويل عقود “الطابو الزراعي” في المناطق التي تحولت في الواقع الى سكنية إلى “طابو سكني” وادراجها في نظام الخدمات البلدية ومشاريع الماء والكهرباء؛ للتخفيف من ازمة السكن، وايقاف تصاعد اسعار العقارات وبخاصة ان مناطق زراعية شاسعة تركت بالفعل وهجرها المزارعون منذ عقود، بحسب المتخصصين والمتابعين.
ويقر مسؤولون زراعيون إنّ “تشييد المنازل مستمر على الأراضي الزراعية، الأمر الذي يخالف القانون العراقي، لكنّ حاجة المواطنين إلى السكن تدفعهم إلى ذلك”، ويقول مسؤولون بلديون أنّ “أكثر من 70 في المئة من المنازل التي جرى تشييدها منذ عام 2005 وحتى الآن تمت على أراض زراعية وبساتين”.
اما مشروع شقق التاجيات الذي اعلنت عنه شركة سيكشنز للمقاولات العامة منذ عام 2013 فقد توقف العمل فيه مع بداية عام 2015، وبعد مرور السنوات ظهر في آذار 2022 مسؤولون حكوميون، ليقروا ان نسبة انجاز المشروع هي 33.1% فقط.
كما تسببت الازمة الناجمة عن الحرب الاوكرانية في ارتفاع اسعار مواد البناء وبخاصة الطابوق وحديد التسليح، وانتج ذلك تعثرا في بناء المنازل لدى كثير من السكان الذين كان بعضهم قد وصل الى مراحل متقدمة من بناء المساكن الخاصة، وحدث ذلك في كثير من بلدان الشرق ومنها العراق.
وفي العراق اكد تجار ان حديد التسليح “الشيش” وهو المادة الاساس في اعمال الانشاء والصب والتسليح ارتفعت اسعاره ايضا بسبب الحرب الروسية الاوكرانية؛ وان السعر اصبح مضاعفا بحسب قول بعضهم، منوهين الى ان ارتفاع سعر الشيش اثر على اسعار المواد الانشائية الاخرى وتسبب في زيادتها، ما ادى الى قلة الطلب عليها، واثر ذلك على عمل عمال البناء، بحسب قولهم، وقال “خلفات” بناء وعمال ان سعر علبة لحيم المعادن مثلا قد تضاعف.
ويوما بعد يوم تتعقد امور السكن والاسكان ولا حل يلوح في الافق على حد قول المتخصصين فهل يفلح رئيس الوزراء الجديد في حل المعضلة التي ارقت السكان بتوفير سكن لكل من به حاجة لمنزل.