ضحايا الجفاف والفقر … “حرمان الفتيات من التعليم” أثر آخر للتغير المناخي بالديوانية

 

( الجزء الاول )

بغداد – متابعة *

كان حلمي أن أصبح معلمة ! ” هذا ما تقوله مروة (13سنة) من محافظة الديوانية جنوبي العراق وهي تساعد شقيقها في حمل كيس مليء بالعلب المعدنية إلى عربة دفع خشبية حيث ينتظرهما شقيقهما الآخر، بينما ينشغل ثلاثة من أشقائها الآخرين في منطقة مجاورة بجولة البحث اليومية عن أي شيء صالح للبيع يمكن أن يعثروا عليه قرب منزل أو في مكب للنفايات.

بجسدها الهزيل وثيابها الرمادية الرثة ووجه لفحته الشمس ويدان مليئتين بالندوب، تجوب مروة وأخوتها كل يوم لساعات شوارع العاصمة بغداد، منذ أن تركت أسرتها المكونة من 12 فرداً قريتها وأرضها الزراعية بسبب قلة الأمطار، ونزحت الى بغداد أملا في تحسين أوضاعها بعد أن واجهت صعوبات في تأمين قوتها اليومي.

تقول مروة: ” كان لدينا دجاج، وأبي وأشقائي الأكبر مني كانوا يعملون في زراعة أرضنا، لكنهم منذ سنوات توقفوا عن ذلك، لأن الزرع لم يكن يثمر نتيجة قلة الامطار وجفاف البئر التي كانوا يعتمدون على مياهها في السقي والشرب”.

في الصف الثالث الابتدائي وبعد وفاة أمها، أجبرت مروة على تلك دراستها “صرت أعمل مع شقيقاتي في رعاية الدجاج وجلب الماء إلى البيت من بئر بعيدة، قبل أن نترك كل شيء وننتقل إلى بغداد” تقول ذلك بصوت منخفض وكأنها خجلة.

تتذكر الفتاة بفرح أيام دراستها وبعض صديقاتها، وتفكر باستمرار بالعودة ذات يوم ،  رغم معرفتها أن ظروف عائلتها لا تسمح بذلك، لذا تقول “هو مجرد حلم!”.

وفقًا لمنظمة اليونيسف المعنية بحقوق الأطفال، فإن أكثر من 1.2 مليون طفل في العراق لا يتلقون تعليماً رسمياً، نصفهم من الفتيات. ويعود ذلك بشكل كبير إلى الفقر، والنزاعات، وتغيرات المناخ، التي تعد من الأسباب التي أدت خلال العقدين الأخيرين إلى نزوح جماعي من بعض الأرياف إلى المدن.

 

 

بحسب تقرير لليونيسف حمل عنوان ” التعليم في العراق: تحديات وآفاق فأن تغيرات المناخ، وعلى رأسها الجفاف “ادت إلى تفاقم الفقر وانعدام الأمن الغذائي، مما أجبر العائلات على إخراج أطفالهم من المدرسة ودفعهم للعمل”.

ووفقاً لخبراء متخصصين فأن ذلك قد أثر وبنحو كبير على فرص الكثير من الأطفال بتلقي التعليم الأساسي، فغالبية أبناء النازحين لم يلتحقوا مجدداً بالدراسة حتى مع عودة بعضهم، وبدلاً من ذلك انخرطوا بسوق العمل لإعالة أسرهم أو لأن التقاليد والأعراف لا تسمح بذلك فيما يتعلق بالفتيات.

كما يحتلّ العراق المرتبة 61 من أصل 163 بلداً في مؤشر اليونيسف عن مخاطر المناخ على الأطفال. وتم تصنيفه حسب تقرير الأمم المتحدة للبيئة العالمية رقم  (GEO-6) 6باعتباره خامس دولة معرضة لنقص المياه والغذاء وارتفاع درجات الحرارة. يرجع هذا الترتيب المرتفع إلى ما يحمله تغير المناخ من مخاطر شديدة على الأطفال العراقيين .

 

التغيير المناخي هو السبب

أبو عبدالله (40 سنة) من محافظة الديوانية، والدٌ لخمسة أطفال وهو المعيل الوحيد للعائلة، يقول بنبرة ألم :”العام الماضي كان بمثابة منعطف حاد في حياتنا مع تدهور وضعنا المعاشي، اضطررت لإتخاذ قرار صعب بترك بناتي الثلاث التعليم، إحداهن كانت في المرحلة المتوسطة واثنتان في الإبتدائية، بينما استمر ولداي الآخران في دراستهما الإبتدائية”.

اضطر ابو عبدالله لاتخاذ ذلك القرار نتيجة فقدانهم للجزء الأكبر من مصدر دخلهم الأساسي المتمثل في الزراعة “جفاف الأنهار المغذية لأرضي التي كنت ازرع فيها رز العنبر، أفقدني معظم دخلي، ولم يعد بمقدوري تغطية مصاريف تعليم جميع أطفالي وتأمين مستلزمات دراستهم”.

ويتابع: “كنت أحلم أن يتعلم أطفالي ويعيشوا حياة أفضل من التي عشتها، لكن الأوضاع لا تساعد الآن، بناتي يعملن في زراعة مساحة صغيرة من الأرض بالخضار سريعة الحصاد، ويذهبن مع والدتهن كل يوم لبيعها في سوق المدينة، لنسد رمقنا ونعيش يومنا”.

وكانت وزارة الزراعة العراقية قد اتخذت قراراً بمنع زراعة الأرز في غالبية مناطق البلاد في موسمي 2022 و2023 على التوالي بسبب أزمة المياه التي نتجت عن قلة الإمدادات المائية الواردة إلى نهري دجلة والفرات، ومع تراجع سقوط الأمطار بسبب التغير المناخي والجفاف الذي تمر به المنطقة، والذي ادى الى فقدان الآلاف لأعمالهم المرتبطة بهذا النوع من الزراعة.

قصة أبو عبدالله، تتكرر مع مئات الفلاحين الآخرين في المناطق الريفية جنوبي وغربي العراق، إذ تدفعهم الظروف المناخية بما حملته من جفاف ومن ثم تخلي عن الزراعة، إلى اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بعضها بمستقبل أبنائهم كإيقافهم عن مواصلة التعليم أو الهجرة إلى المدن والانخراط في أعمال أخرى.

وبحسب تقرير   لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق، فأن مناطق جنوب العراق تشهد تحديات متزايدة تؤثر على حياة السكان، ولا سيما الفتيات وتعليمهن، بفعل التغيرات المناخية الحاصلة، والتي تتمثل في ارتفاع درجات الحرارة وشح المياه، مما “يضع ضغوطاً هائلة على الموارد الطبيعية والبنية التحتية للمحافظات التي يتم النزوح إليها”.

وقالت دانييل بيل، ممثلة مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ومديرة مكتب حقوق الإنسان في بعثة الأمم المتحدة (يونامي): “تتفاقم العوائق أمام التعليم بسبب العمر والإثنية والإعاقة والفروقات بين الريف والحضر واستراتيجيات التأقلم الضارة. ويكمن الواقع بالنسبة للعديد من الفتيات والنساء في العراق في أنهن يواجهن بيئة لا تدعم أو تتيح مسارات تعليمية متنوعة.”

وقد جاء في تقرير لصندوق Malala Fund نشر في عام 2021 عن الأحداث المتعلقة بالمناخ، أن أربعة ملايين فتاة فى البلدان منخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، لم يتمكن من إكمال تعليمهن. وان سار الوضع بذات الإتجاهات الحالية، فسيكون تغير المناخ بحلول عام 2025 عاملاً مساهماً فى منع ما لا يقل عن 12.5 مليون فتاة من إكمال تعليمهن كل عام.

وفيما يتعلق بالعراق فإن هنالك عوامل عدة تدفع باتجاه تسرب الفتيات من التعليم، على رأسها الفقر وجزء كبير منه سببه التغيير المناخي وشحة المياه ولاسيما في الأرياف، فضلاً عن تكاليف التعليم والزواج المبكر والحمل.

وقد أظهرت بيانات مسح رصد وتقييم الفقر في العراق لسنة 2018/2017 ارتفاع نسبة الفتيات والنساء الريفيات الأميات بعمر 10 سنوات فأكثر إذ بلغت نسبتهن 27.3%، مقارنة بنسبة الفتيات والنساء الأميات في المناطق الحضرية والبالغة نسبتهن 15%.

وبنحو عام تظهر بيانات المسح، انخفاضاً في نسبة الفتيات والنساء الريفيات مقارنة بالفتيات والنساء في المناطق الحضرية في باقي مراحل التحصيل التعليمي، مما يستوجب وضع حلول للحد من هذه الظاهرة، بحسب ما يكشفه جهاز الاحصاء المركزي العراقي في تقرير واقع المرأة الريفية في العراق .

ارتفاع نسب المتسربات الإناث من المدارس

يظهر تقرير نشرته مؤسسة الشرق الأوسط للبحوث خلال التسعة أعوام المنصرمة  تراجع  معدل التسرب الإجمالي من المدارس الإبتدائية ، ليصل إلى متسربين اثنين من كل 100 طالب خلال 2019، بعد أن كان المعدل يبلغ عشرة متسربين عام 2011 حيث مرت البلاد في فترة تدهور أمني وصراعات داخلية.

النسب التي تم اعتمادها في التقرير تعود لمسوحات وزارة التخطيط، وتبين تقارباً نسبياً في ارقام تسرب الذكور مع تسرب الإناث في 2019 بعد أن كان التباين كبيراً بين الفئتين في 2011 “إلّا أن الفتيات مازلْنَ يتقدمْنَ الفتية في نسب التسرب في عدة محافظات عراقية”.

 

 

نسبة تسرب الذكور في عام 2011 كانت 7 من كل 100 طالب ذكر، مقابل تسرب 13 طالبة من كل 100 من الإناث، الفارق بينهما تقلّص في السنوات الأخيرة، فأصبح  يتسرب 2 من كل 100 من الذكور، مقابل تسرب 3 فتيات من كل 100 من الاناث خلال  عام 2019 .

 

وينبه التقرير إلى أن فتيات الأرياف “يعانين من عدم التكافؤ والمساواة مع الذكور في نواحي شتى، التعليم أكثرها حساسية وأهمية” وأن ذلك  يظهر جليا من خلال انخفاض نسبة التحاقهنّ بالتعليم الابتدائي في مناطق الأرياف، إذ أن نسبة التحاق الذكور تبلغ 90 طالب من كل 100 من الذكور، بينما تلتحق 87 فتاة من كل 100 فتاة في أحسن الأحوال وفق المسح العنقودي متعدد المؤشرات للعام  2018

ويعد المستوى المعيشي للعوائل، عامل رئيسي في زيادة التسرب أو تحجيمه : “فمقابل كل 10 ذكور متسربين من ابناء العائلات الفقيرة، هناك 6 ذكور من العائلات متوسطة الدخل، مقابل 3 متسربين من الذكور المنحدرين من عوائل ثرية. ومقابل كل 17 فتاة متسربة من بنات العوائل الفقيرة، هناك 9 فتيات عوائلهن متوسطة الدخل، مقابل 4 فتيات من العائلات الثرية، وهذا يُظهر أن الفتيات يتأثّرنَ بالوضع الاقتصادي لعوائلهن أكثر من الذكور، ويتسربْنَ بوتيرة أعلى نسبياً حتى لدى العوائل الثرية.”

وأظهر التقرير الموجز للمسح الوطني للفتوة والشباب الصادر عن وزارة التخطيط لسنة 2019، ارتفاع نسبة الذين سبق لهم الالتحاق بالدراسة، ويوصفون بالأمية لأنهم لم يكملوا دراستهم، إذ بلغت نسبتهم 7% بين الفتيان والشباب في عموم العراق، وترتفع النسبة في عدة محافظات هي نينوى 18% وبابل 13% والبصرة 10% والانبار 9%.

وجاء في توصيات المسح ضرورة إعطاء اهتمام مميز لسياسات تعليم الفتوة والشباب والسعي للقضاء على الأمية من خلال تفعيل قانون محو الأمية رقم (23) لسنة 2011

*انجز التحقيق تحت اشراف شبكة “نيريج” ضمن مشروع الصحافة البيئية الذي تديره منظمة “أنترنيوز .

قد يعجبك ايضا