اللفظ وتطور الاحوال   

 

د . صباح ايليا القس

كلام الناس يعني لغتهم المتداولة فيما بينهم وحتما هي نتاج البيئة والحاجات الانسانية اولاً ولاحقا قدرتها على التعبير عن النشاطات الفكرية التي منها الادب .. وهي بقدر ما تلبي حاجاتهم في الافصاح عن المكنون العقلي فانها تعبر عن حالة التطور التي يعيشها ذلك المجتمع ولا سيما الاحوال المدنية والدينية والعلمية وفي تدبير امور العلاقات بين القبائل والملوك والرؤساء بما يعرف بالحالة السياسية بحسب المصطلحات المعاصرة , ولا بد نحن واجدون فيها ما يفصح عن العادات والتقاليد والسلوك الاخلاقي والعاطفي .

ان دراسة تطور اي لغة ومنها العربية يتطلب دراسة التاريخ الاجتماعي والعقلي لاصحاب تلك اللغة واذا افترضنا اننا نتحدث عن اللغة العربية حصرا فاننا لا بد ان نبدأ من العصر الجاهلي اذ اننا لا نستطيع ان نذهب بعيدا في تاريخ تطور اللغة العربية اكثر من مئة الى مئة وخمسين سنة على أبعد تقدير بحسب ما جاء به الجاحظ .. وهذا الزمن الذي حدده الجاحظ يقصد به ما يصلح للاستشهاد به في القضايا النحوية والبلاغية .

إن كلام الجاحظ منطقي جدا اذ ان الشعر العربي الجاهلي جاءنا او وصل الينا عن طريق الرواية وربما هذا الزمن يوافق سلسلة الرواة نقلا عن فلان وعن فلان اي ما يعادل جيلين الى ثلاثة أجيال ومن جاء بابعد من ذلك تاريخا فهو باطل .. وربما جاء قول الجاحظ في تحديد الزمن لان بعض الرواة نسبوا ابياتا لبعض الانبياء واكيدا فان هذا غير مقبول لان بيننا وبينهم قرون زمنية وعلى سبيل المثال فان المسيحية سبقت الاسلام بستة قرون وهذا ثابت تاريخيا ولذلك لا يجوز ان تنسب ابيات شعرية لتلك الحقبة لاستحالة تواتر الرواية عبر ستة قرون من دون تدوين يدعم تلك الرواية حين نعتمد على الرواية الشفاهية فقط .

لا بد من الاعتراف ان للبيئة تأثيرها الواضح والشاهد الاصيل على طبيعة اللغة وتعبيرها عن واقعها المكاني والسلوك المجتمعي والتراتبية العائلية والقبلية ونحن نعرف تمسك العربي بالقيم المتعارف عليها والتي يقف الشرف في مقدمتها وما يشتمل عليه هذا المبدأ من الدفاع والاستماتة في الحروب دفاعا عن الارض والعرض فضلا عن الشهامة والكرم والاعتداد بالنسب وغير ذلك من الاعراف التي لا يمكن المساومة عليها .

اما الواقع الطبيعي من رمال وصحراء وقلة ماء فله حصة في التداول اللغوي اذ من الممكن ان تسيل دماء تعادل بركة ماء تثور الحرب بسببها فالماء في الصحراء هو سبب الحياة وبدونه يكون الموت المحتم ومن اجل احتمال العطش كان للناقة والجمال افضلية على جميع الحيوانات , ولا يمكن ان يعيش البدوي من دون الناقة اذ منها يصنع بيته ومنها لبنه وهي سفينته وهي مركوبة وهي حاضرة بلحمها وشحم سنامها لاشباع الضيوف وهي وسيلته في القتال اذا افتقر الى الخيل ومن اجل كل هذا لم تترك اللغة العربية شيئا من كيانها الا وكانت له مفردة خاصة ..

الحياة الاجتماعية في المجالس والسلم والحرب والكرم وعلاقات الحب حصة في اللغة وتلك القصائد الجاهلية ولا سيما المعلقات شاهدة على الحياة برمتها واذا درسنا المعلقات وما وصل الينا من الشعر الجاهلي دراسة اجتماعية لكانت لنا صورة الواقع الاجتماعي بكامل معطياته ..

اما عندما نتجاوز المرحلة الجاهلية فسنجد ان اللغة بدأت تميل الى التراخي لا سيما عند الانتقال الى العصر الاموي والعصر العباسي حيث تجاوز الشعراء الكلمات الصعبة والمستغلقة والبعيدة عن الواقع وتجاوزوا الناقة والرمال والصحراء الى وصف البساتين والانهار فضلا على ليالي المسامرات والانفتاح الحضاري على ما عند الامم الاخرى لا سيما بعد الفتوحات والاهم من ذلك ازدهار حركة الترجمة حيث اطلع العرب على ما عند الامم الاخرى كالفرس والهنود والرومان واليونان ومن وصلت اليهم جيوش المسلمين شرقا وغربا فتغيرت اللغة ومعطياتها بحسب الطبيعة المتجمعية الجديدة .

قد يعجبك ايضا