ليلى جمل الليل
وأخذ يلمس فستان الزفاف الذي لم يلمسه قط… سقطت دمعتان على خديه فاشتعل لهيب الحزن، وهو يتنهد قائلا.
(( تظلين أنتِ فراشة قلبي الوحيدة، يا حبة الفستق)) ابتسم لها أعاد الصورة مكانها تأملها من مكانه حتى بدأ النعاس يغشاه.
في هذه الأثناء كانت عبير تتأمل انعكاسها في المِرأة، فلقد أنهت قراءة الكتاب توًا، حدجت عينيها باستغراب إلى متى ستصمدين، يا لكِ من عنيدة، ثم غطت نفسها بالبطانية في رغبة منها في الاختباء من تأنيب الضمير الذي يشتد حدته كلما انفرد الليل بها جاثما على صدرها. فغرست رأسها في الوسادة كالنعامة في الصعيد.
وبينما سليم يغط في سباته، تسلل نور الصباح ليمد شعاعه عبر النافذة المفتوحة في غرفته، فتسلط الضوء الذي داعب جفنيه بشقاوة، استيقظ سليم، وقد كان جبينه يتندى عرقا، تناول علبة المناديل يسحب منها، ويجفف جبينه تارة، ويتنهد تارة أخرى، كان المنبه لا يزال يشير إلى الساعة السادسة، وقد أيقظه كابوس حادثة ليلة الزفاف المشؤومة، على غرار الجميع، لم تكن ليلة العمر، ولا حتى أجمل لياليه، بل كانت أتعسها على الإطلاق.
في الجهة الأخرى، كانت عبير تغط أيضا في سبات عميق، استيقظت مفزوعة من صراخ والدتها التي أخذت تقلب رأسها يمينا يسار بحركة هستيرية، أشاحت به بعيدا، وحدقت باستغراب إلى والدتها، وصرخت في استعطاف لها أن تتوقف قائلة:
(( ما بكِ اهدئي يا أمي أرعبتني آه… رأسي يؤلمني)).
حدجتها قائلة بحنق شديد: لم فعلتِ هذا؟ هل جننتِ؟ حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ يا عبير؟)).
فيما رمقتها عبير بنظرة ناعسة بلهاء تتساءل ما لذي فعلته، وجعل والدتها تشتط غضبا هذا النحو…
كبحت أسماء جموح الغضب، وتمالكت نفسها قائلة: ((شعركِ… أنظري إليه، تتمنى بنات البلد قاطبة شعر حريري أصهب كشعركِ! لما قصصته بهذا الشكل، أهكذا تُنفسين عن غضبكِ، من غصبك على الخطبة أصلا؟)).
لم تنه أسماء جملتها حتى انتبهت عبير لكل تلك الخصال المتناثرة في السرير، وثبت مسرعة صوب المِرآة… وأخذت تلمس رأسها، وتقلب رأسها يمينا يسار في ذهول، تنبهت أسماء أن عبير ليست الفاعلة، نهضت وقد عاودها شيطان الغضب قائلة: (( مؤكد أن الوقحة ابنة إلهام من فعلتها، وإذا بها تتناول غطاء لرأسها وصوب الباب اتجهت إلى بيت عائشة أم عامر، راقبت عبير والدتها في صمت، ولا تزال تحت تأثير الصدمة، ما أن دخلتا إلى بيت إلهام حتى علت أصوات النسوة، توترت عبير فلحقتهما بعد دقائق، حتى وصلت فتوقفت عند عتبة الباب. تجمدت رجلاها عند المدخل، وهي تراقب إيمان تناول والدتها المقص، وتجثو على ركبتيها مستسلمة للأمر، وفي اللحظة التي هبت فيها أسماء تنفذ حكم القصاص، على نحو مفاجئ جاء…