محمد عبد الرحمن
ليس ممكنا ان نتصور تحقيق استقرار سياسيوامني من دون توفر مستلزمات هيبة الدولة، التيعاد الحديث عنها مجددا هذه الأيام. والعنصرالفاعل هنا بالطبع هو سيادة القانون وامكانية إنفاذهبالفعل، وقدرة وفاعلية الأجهزة والمؤسساتالدستورية في جعل ذلك يسري على الجميع، مندون محاباة استنادا للموقع الوظيفي والسياسيوالديني والعشائري والاجتماعي، وسواء كان المعنيمليارديرا او فقيرا معدما .
والامر المهم هو حيادية واستقلالية مؤسسات الدولة،خاصة القضائية، ووقوفها على مسافة واحدة منالمواطنين، بغض النظر عن اطيافهم وقومياتهموتوجهاتهم السياسية والفكرية. وكثيرا ما جرى تكرارالقول ان صلاح القضاء هو الضامن في كلالمنعطفات والتقاطعات الحادة والفترات الحرجة،التي تمر بها الشعوب .
وللدلالة على أهمية القضاء ونزاهته نورد حادثةتاريخية ذات دلالات .
فبينما كانت طائرات هتلر تدك لندن أثناء الحربالعالمية الثانية، جاء إلى رئيس الوزراء البريطانيآنذاك ونستون تشرشل أحد مستشاريه، وقاله له: «مؤسساتنا دُمرت والبنية التحتية انهارت». فسألهتشرشل:«وكيف حال التعليم والقضاء»؟ أجاب: «التعليم مستمر والقضاء عادل». قال تشرشل: «إذن نحن بخير». وفي رواية آخرى إنه قيللتشرشل إن “الرشوة تفشت في إدارات الدولة»فسأل:«هل وصلت إلى القضاء؟” فاجابوه بـ كلا ،فرد بالقول: “ اذن نحن بخير”.
هكذا هو القضاء، وتلك هي أهميته. فهو يبقى كمايفترض الجدار والمصد الأخير.
وبما اننا في فترة زمنية يتحدث فيها معظم المسؤولينفي الدولة وخارج مؤسساتها عن أهمية استقلالالقضاء، فالمطلوب، خاصة من أصحاب القراروالنفوذ، العمل على عدم زج مؤسسة القضاء فياتون الصراعات السياسية، ووضع حد للتماهي بينالسلطات والتداخل المضر للصلاحيات، وضمانحماية القضاء واجهزته من الضغوط على اختلافمصادرها .
وبالعودة الى هيبة الدولة، فانها تتحقق أيضا منخلال الثقة المتبادلة بين المواطن وأصحاب القرار،ومن الصعوبة بمكان تأمينها اذا كانت الدولة عاجزةعن ضمان الامن والاستقرار، وعن تحقيق الحياةالكريمة والعيش اللائق للمواطنين، والتوزان بينالحقوق والواجبات. وتهتز هذه الثقة عندما يشعرالمواطن ان هناك كيلا بمكيالين تجاه ظواهر معينة. ومن ذلك مثلا ان يجري التحرك لوقف أي تجاوز فيمنطقة معينة، فيما تحدث تجاوزات تفقأ العيون فيمناطق اخرى، ولكن يتم التغاضي عنها. وهكذا نرىحالات استعمال للسلاح وتمرد على القرار الأمنيللدولة، بل حتى عجز للقوات الحكومية عن الوصولالى مناطق معينة، تكاد ان تكون مغلقة لجماعاتمسلحة محددة. فانتشار السلاح ووجود جماعاتمسلحة خارج القانون، هو ما يضعف هيبة الدولةوقدرتها على بسط النظام والقانون .
من جانب آخر لا يستقيم تعزيز هيبة الدولة معضعف بناء مؤسساتها، وعدم قدرتها على إداءواجباتها، وهذا ناتج أساسا عن النهجالمحاصصاتي – المكوناتي في بنائها، بما يُحلّالتوافقات السياسية محل الدستور والقانون.
ان أحدا لا يجادل في أهمية فرض هيبة الدولة، ولكنتجربة ٢٠ سنة من حكم المتنفذين المتحاصصين،تقول انهم لا مصلحة لهم في ذلك، رغم ادعاءاتهمالعكس. وانه لتحقيق ذلك لا بديل عن ولوج طريقالتغيير الشامل في النهج والأداء والسلوك، كما فيالشخوص