لأجل أن لا نستمرَّ بخداع أنفسنا  : الحصيلة النوعيّة لنتائج المشاركة العراقيّة في دورة الألعاب العربيّة وضوابط احتسابها!! 

 

د. باسل عبد المهدي

 

لا يختلفُ اثنان بأن أي مقياس لنوعيّة النتائج التي يُحقّقها الرياضيين في منافساتهم الدولية تحكمها عوامل عدّة لا تقفُ عند حدود الأوسمة المتحقّقة وألوانها وإنما عبر تقييم لحصيلة النتائج قياساً بعدد الفرق أو الرياضيين المشاركين في كلّ فعّاليّة، وكذلك نوعيّة الارقام المسجّلة ومستوى الأداء أيضاً.   بكلام أدقّ ، أن يحصل رياضي أو فريق على المرتبة السادسة مثلاً من بين خمسة عشر متسابقاً أو فريقاً مشاركاً هو أكثر جودة من حصول ذات الرياضي أو الفريق على المرتبة الثالثة والوسام البرونزي من بين ثلاثة أو أربعة فرق مشاركة في المنافسة . هكذا يفترض احتساب الحصيلة الرياضيّة المُتحقّقة اذا ما توفّرت هناك رؤى ناضجة وأفكار تتوافق مع متوجّبات قياس النوع في البحث عن المتحقّق من الإنجاز . أما أن نلتهي ونُلهي البشر بالتباهي عبر إعلام مُضلِّل، فذلك هو التخلُّف بعينه.

سنترك الكلام عن تفصيلات تقييم نتائج مشاركة المصارعين العراقيين في منافسات الدورة ونتائجهم المُفرحة والتي لولاها ولولاهم أيضاً لما سمح الحديث عن أي قيمة رياضيّة نوعيّة حقيقيّة تُعبّر عن مشاركة عراقيّة في دورة كبيرة من هذا النوع . يكفي الإشارة بأن حصيلة المصارعة من الأوسمة قد بلغت (١٨) وساماً من مجموع ( ٤٥ ) ، ستة منها كانت ذهباً من مجموع سبعة حصلت عليها كل المشاركة العراقية في ( 13) نوع من الرياضة من مجموع ( ٢٢ ) اعتمدتها الدورة في برنامج منافساتها المقرّر.

وإذا ما أريد الالتزام بما مرّ عرضه في منهج تقييم  الانجازات المتحقّقة ونوعيّتها ، فإن الذي تمخّضت عليه المنافسات ونتائجها يسمح بالافصاح ، بأن لا وزن أو قيمة رياضيّة تُذكر لأي إنجاز أو نتيجة في حالة مشاركة ثلاثة فرق أو رياضيين في فعّالية مُعيّنة وهو ما كانت تمنعهُ لوائح منافسات الدورات العربيّة . بكلام أدقّ فإن نتيجة كهذه تعني بأن الرياضي أو الفريق الذي حاز على وسام برونزي في مسابقة شارك فيها أقل من أربعة منافسين ، لم يحقّق عمليّاً أي فوز على أي من الخصوم، وإن الوسام البرونزي هذا قد احتسب بسبب قلّة عدد المتنافسين أو ما تقرّره القواعد في الفعّاليات القتالية كالمصارعة والملاكمة وغيرها. هذه الحالة تكرّرت مرّات في نتائج الرياضيين العراقيين من حملة أوسمة البرونز في الدورة الأخيرة.  ولقد حصل العراق على ما مجموعه  (٢٠) منها.

الكلام أعلاه لا ينطبق من الوجهة الفنيّة الرياضيّة على نتائج منتخب كرة اليد للرجال مثلاً ، الذي قدّم مستويات ومباريات جيّدة وأحيانا ممتازة بالرغم من اضاعته فرصة الحصول على الوسام البرونزي باستحقاق بسبب خلل تكتيكي واضح. كذلك لا ينصرف هذا التقييم الى بعض النتائج الفرديّة في بعض منافسات رفع الأثقال وألعاب القوى للرجال دون الإناث.

ان مُجمل موضوع المشاركة العراقيّة والنسويّة خصوصاً تتطلّب المزيد من التمعّن ، لأن أمور كهذه في اوضاع رياضتنا تعد مؤلمة فعلاً وتدعو الى إعادة جادّة في التفكير والقرارات.

إن مسألة الأخذ بمستوى الرياضة النسوية في العراق نحو نتائج أكثر جودة، عربياً على الأقل، هي باعتقادنا مسؤولية أكبر بكثير من حجم العقليّة العلميّة المُتحكّمة بقرارات الأولمبية واتحاداتها الرياضية اجمالا.

معذرة  إن انصرفَ التفكير الى فهم ذلك تجاوزاً أو مسّاً بالبشر، لا سمح الله . فالمشاركة العراقية وقراراتها لم تحكمها، كما يتوجّب ، مقاييس وأرقام وضوابط واختبارات معلنة، وانما ظلّت في الغالب أسيرة لنوعيّة العلاقة مع مصدر القرار، ووفق اجتهادات ينقصها الكثير ممّا يفعلهُ العالم المتحضّر في أمور فنيّة مهمّة من هذا القبيل.

إن مِن المُخجِل جدّاً ، أن لا نستطيع التحكُّم في قرار المشاركة في كثير من الفعّاليات الرقميّة كالسباحة وألعاب القوى، ثم تأتي النتائج المُخيّبة وكُلفها الباهضة وليس فينا من يمتلك القدرة على أن يُتابع أو يُحاسب أو أن يُعاقب إن اقتضى الأمر، لأن القرار في أولمبيّتنا بات يُحتسَب بمعيار الأوزان الانتخابيّة ودرجة متانة الولاءات ووفقاً لاعتبارات لا تُلامس المصلحة العامة وسُمعة البلد ورياضته مع الأسف.

لقد سبق إعلان المُشاركة هذه المرّة حملة إعلاميّة كثيفة صاحبها وعود واغراءات وبأسلوب بعيد عن ضوابط الثواب والعقاب المعمول بها في المواقع التي تمتهن العلميّة والموضوعيّة والحرص والعدالة في تخريج وتحصين قراراتها.

فبعد مجريات الانتخابات التكميليّة للمكتب التنفيذي في الأولمبيّة العام المنصرم، وما أسفرت عليه نتائجها من تقلّبات وظهور إعلامي بائِن ، انتشرت ظاهرة جديدة عمَّتْ أو عُمِّمَتْ الى الوسط . ظاهرة صار فيها المال ومالكيه وكأنه المُتحكّم الوحيد في قرارات ومهمّات الأولمبيّة واتحاداتها، وهي حالة يفترض أن ينأى عنها منهج وسلوك وإعلام من يُطلق عليهم رجال أعمال.

شارك في منافسات الدورة العربية الأخيرة في الجزائر أكثر من ٣٠٠٠ رياضي من الجنسين مثّلوا  ٢٢ بلداً عربيّاً  تنافسوا على ٢٥٣ لقباً رياضيّاً . احتكر رياضيو البلد المُضيّف ما يزيد عن ثلثها ( ١٠٥ أوسمة ذهبيّة ) أعقبهم رياضيي تونس، فالمغرب بحصيلة (٢٢) و( ٢١) وساماً ذهبيّاً على التوالي.

الوفد العراقي كان قوامه  ١٩٤ شخصاً بين رياضي ومدرب وإداري… والخ، ومن الجنسين، حسب ما تشير الى ذلك أوامر إيفاده الرسميّة . حلّ بالموقع التاسع بحصيلة تقل عن (٣٠ ) وساماً ( حقيقيّاً ) وفقاً للضوابط المذكورة . سبعة منها كما أشرنا كانت من الذهب، أي بنسبة تقل عن ٣% من مجموع الألقاب المقرّرة للمنافسات. لقد حصل العراق في الدورات العربيّة الثلاث السابقة بعد السقوط، أوسمة الذهب  في كلّ من منافسات الرماية والتجديف وألعاب القوى والأثقال والملاكمة والقوس والسهم والشطرنج أيضاً اختفت جميعها هذه المرّة واكتفينا بحصيلة ما حقّقته المصارعة مع آخر وحيد في فعّالية الخطف بالأثقال.

هذه الحقائق والأرقام في مُجمل النتائج تثير الكثير من المخاوف والالتباسات في جدوى القرارت، وما يجب أن يوظّف ويعمل لإزالة حالة الجمود وعدم الاستقرار التي تشهدها الانجازات الرياضيّة العراقيّة خلال السنين المارّة، برغم غزارة المشاركات ووفرة الانفاق وتحسّن ملموس في البُنى والظروف الفنيّة المحيطة قياساً بما كان قائم سابقاً .

أن تتفوّق علينا دول المغرب العربي ومصر برغم مشاركتها  المُقتضبة، كذلك قطر أو البحرين ( بسبب سياسات التجنيس المعلومة ) وحتى السعودية برغم مشاركتها الرمزيّة فيُعد أمراً مقبولاً .. أما أن تتجاوزنا رياضيّاً في النتائج وحصيلتها كُلاً من سوريا والأردن بتباين كبير وتقترب منّا أو تكاد كُلاً من عُمان والإمارات أو فلسطين وحتى ليبيا برغم شحّة إعداد مشاركتهم فأمر يتطلّب إعادة نظر جذري ورسمي وحاسم أيضاً في أمور الرياضة عموماً من أجل تأمين جودة نتائجها  مستقبلاً في بلدنا الحبيب.

لقد أمسى أمراً غير معقول أو مقبول أن بلداً كالعراق تجاوز عدد سكّانه الـ (٤٠ مليون نسمة )، وتمثل أعمار الشباب فيه أكثر من النصف . بلد أسّست فيه منذ سنوات وعلى أمتداد محافظاته معاهد وكليّات حكوميّة وأهليّة متخصّصة في الرياضة وعلومها ،  تديرها نُخب كفوءة وبخبرات علميّة وأكاديميّة وفيرة . كليّات ومعاهد خرّجتْ وتخرّج سنويّاً المئات، بل الألوف من مُدرّسي ومُدرّسات الرياضة من أجل العمل في مدارس ليس فيها منذ عشرات السنين أي درس رسمي إلزامي لمادّة اسمها ( رياضة ) كما هو اليه الحال في كُلّ مدارس العالم ، فتصوّروا !!

وليس معقولاً أيضاً أن في بلدٍ كالعراق من الكفاءات العلميّة والخبرات العمليّة والأكاديميّة الرياضيّة المُعطّلة أو المُغتربة ما يكفي لإدارة رياضة نصف بلدان القارّة بأكملها مع ذلك يتم فيه انتخاب قادة الرياضة في اللجنة الأولمبيّة واتحاداتها الرياضيّة دون أي موجبات أو مؤهّلات علميّة يفترض توفّرها في المرشّحين للمواقع وبذريعة ( سخيفة ) تتحجّج بأن الميثاق الأولمبي لم يأتِ على لزوم ذلك نصّاً ، وكأن الميثاق هذا كتاب مقدّس وإن نصوصهِ هي المسؤولة عن صناعة الرياضة وليست عقول وخبرات أبناء البلد.

لعنة الله على ديمقراطيّة بريمر واساليبها المُخرّبة التي أسّست لرياضتنا ما مهّد لها كلّ أوضاع التخلّف القائم . فالبلد الذي تبيح ضوابط انتخابات مؤسّسات رياضته وقياداتها انعداماً من أي حصانة فكريّة أو تدرّجا مهنيّاً ، لم يعد فيه أمراً مُستغرباً،  أن تتكرّر في اوساطه الرياضيّة وسباقاتها حوادث الشغب والتزوير والابتزاز أيضاً والى حدود التهديد والتصفيات الجسديّة ، كذلك الانتشار الغريب في مسائِل الفصل واللزمات العشائرية. لقد تمّ في السنوات البضع الأخيرة إحالة عدد غير قليل من قادة الأولمبيّة واتحاداتها الى المثول أمام القضاء ولجان النزاهة ، أبعِدَ أو أعفي عدداً منهم كما أودع آخرين خلف القبضان بتهم التزوير أو التلاعب المقصود بأموال الرياضة.

الشيء بالشيء يُذكر ، في الخامس عشر من تموز الجاري مرّت الذكرى السابعة عشر لجريمة اختطاف وتصفية رئيس أول لجنة أولمبيّة عراقيّة بعد سقوط نظام القهر الأخ المرحوم أحمد عبد الغفور السامرائي ( الملقّب بالحجيّة ) مع عدد من أعضاء المكتب التنفيذي حينها وبعضاً من الإداريين والرياضيين وأفراد حمايته تجاوز عددهم الثلاثين . وبرغم أن الحادث الإجرامي المذكور مثّل إساءة كبيرة مسّت سُمعة الرياضة العراقية ولا زالت ، مع ذلك لم تجرؤ أية جهة رسميّة أو أولمبيّة حتى اليوم بتحريك ملف التحقيق في الجريمة المذكورة ونتائجها أو تعويض عوائل ضحاياها على الأقل واعتبارهم من شهداء حوادث الإرهاب التي سادت البلد آنذاك.

في حين ، قبل أسابيع وبرعاية مباشرة من دولة رئيس مجلس الوزراء ، انعقد في بغداد المؤتمر الرياضي العراقي العام تحت شعار ” تحدّيات العصر وآفاق المستقبل ” شاركت في أعماله كفاءات وخبرات علميّة وفيرة من داخل وخارج البلد وزّعتْ أعمالها على لجان عديدة . لقد مرّ قُرابة أكثر من شهرين منذ الانتهاء من أعمال المؤتمر ، ولم يُعلن حد اليوم أيّاً من توصيات أعماله. أمراً واحداً فقط ، أعلن بعد انتهاء أعماله بأيام يؤكّد  بأنّ هناك قرار قد أتخذ لتكريم لجان المؤتمر، أضيف اليهم في القائمة المُعدّة عدداً من الاتباع والمقرّبين!! إذا عُرف السببْ بُطل العجبْ !!

 

قد يعجبك ايضا