النفط لبناء اقتصاد أقوى وأكثر تنوعًا ومرونة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وتأثيرها على اقتصاد العراق
سعدالله عقراوي
اعتقد انه على الرغم من أن العراق من أكبر الدول المنتجة للنفط في العالم، إلا أن اعتماده الكبير على عائدات النفط جعل اقتصاده عرضة للصدمات الخارجية. تُشكّل صادرات النفط المصدر الرئيسي للموارد المالية للحكومة العراقية، مما يجعل رواتب القطاع العام، ومشاريع البنية التحتية، والخدمات الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، شديدة التأثر بتقلبات أسعار النفط العالمية وإنتاجه. يشكل احتمال نشوب مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران خطرًا كبيرًا على الاستقرار الاقتصادي في الشرق الأوسط، ولا سيما العراق. يقع العراق بين هذين البلدين، ويحتل موقعًا استراتيجيًا هامًا في منطقة تتشابك فيها التوترات السياسية والمخاوف الأمنية وأسواق الطاقة تشابكًا وثيقًا. وأي تصعيد إلى صراع عسكري مباشر قد تكون له عواقب وخيمة على اقتصاد العراق وأمنه القومي وتجارته واستثماراته وتنميته طويلة الأجل. لذا، فإنّ حربًا محتملة بين الولايات المتحدة وإيران ستكشف عن مواطن الضعف الهيكلية في النظام الاقتصادي العراقي. كما ستُسلّط الضوء على أولوية وطنية ملحة ضرورة تنويع الاقتصاد العراقي وتقليل اعتماده المفرط على النفط إذا ما أراد تحقيق استقرار اقتصادي وازدهار دائمين.
يحتل العراق موقعًا جيوسياسيًا حساسًا نظرًا لقربه الجغرافي من إيران، وعلاقته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، واعتماده الاقتصادي على الاستقرار الإقليمي. قد يُعرّض أي مواجهة عسكرية بين واشنطن وطهران العراق لضغوط سياسية وأمنية كبيرة. وبحسب حجم وموقع الأعمال العدائية، قد تتعرض الأراضي العراقية، ومجالها الجوي، وبنيتها التحتية، وطرقها التجارية لمخاطر متزايدة. كما قد تتصاعد التوترات داخل البيئة السياسية العراقية، مما يُصعّب على الحكومة الحفاظ على سياسة خارجية متوازنة. ويتمثل أحد أكبر التحديات في منع العراق من أن يصبح ساحة معركة أو منصة لهجمات من قِبل جهات إقليمية ودولية متنافسة. أي اضطراب أمني قد يُثني المستثمرين الأجانب، ويؤخر مشاريع البنية التحتية، ويرفع تكاليف الأعمال، ويُضعف ثقة الجمهور بالاقتصاد. حتى لو تجنب العراق التدخل العسكري المباشر، فإن التداعيات الاقتصادية لحرب إقليمية قد تكون جسيمة. فالاقتصادات الحديثة مترابطة، وعدم الاستقرار في دولة ذات أهمية استراتيجية قد يؤثر على أسعار الطاقة، والنقل، وتكاليف التأمين، وقرارات الاستثمار، والتجارة الدولية في جميع أنحاء المنطقة. بالنسبة للعراق، يتمثل التحدي الرئيسي في حماية مصالحه الوطنية مع منع التوترات الجيوسياسية من تقويض تنميته الاقتصادية. تكشف التداعيات المحتملة لحرب إقليمية عن مشكلة هيكلية أوسع، فالاقتصاد العراقي لا يزال يعتمد بشكل مفرط على مصدر دخل واحد.
النفط مورد طبيعي قيّم، وينبغي للعراق أن يستمر في الاستفادة منه. لا ينبغي أن يكون الهدف هو التخلي عن صناعة النفط، بل استخدام عائداتها لبناء اقتصاد أقوى وأكثر تنوعًا ومرونة.
يمكن لأي دولة تمتلك موارد طبيعية وفيرة أن تحقق ازدهارًا مستدامًا عندما تستثمر هذه الموارد في رأس المال البشري، والصناعات الإنتاجية، والبنية التحتية الحديثة، والمؤسسات الاقتصادية. بالنسبة للعراق، ينبغي أن يصبح التنويع الاقتصادي أولوية وطنية طويلة الأمد، ترتكز على عدة قطاعات رئيسية. قد تترتب على حرب محتملة بين الولايات المتحدة وإيران عواقب وخيمة على الاقتصاد العراقي، لا سيما من خلال تعطيل صادرات النفط، وتقلبات أسواق الطاقة العالمية، وارتفاع تكاليف الاستيراد، وتراجع ثقة المستثمرين، والضغط على المالية العامة.
وتعتمد شدة هذه العواقب على مدة النزاع، ونطاقه الجغرافي، وتأثيراته على البنية التحتية الإقليمية للنقل والطاقة. قد يستفيد العراق مؤقتًا من ارتفاع أسعار النفط، لكن هذه المكاسب ستكون غير مؤكدة، وقد تُقابل بخسائر في الإنتاج، واضطرابات تجارية، وتضخم، وزيادة في الإنفاق العام.
اعتقد ان المشكلة الأعمق تتجاوز أي صراع عسكري منفرد. فاعتماد العراق المفرط على النفط يجعل مستقبله الاقتصادي عرضةً لقرارات وأحداث خارجة عن سيطرته. لذا، فإن تقليل الاعتماد على النفط ليس مجرد خيار سياسي اقتصادي، بل هو شرط أساسي لأمن العراق المالي على المدى الطويل، وقدرته على الصمود، وتنميته المستدامة. ينبغي على الحكومة استثمار عائدات النفط في الزراعة والصناعة والطاقة المتجددة والسياحة والنقل والتعليم والتكنولوجيا، مع تحسين إدارة المالية العامة وخلق بيئة أكثر تنافسية للشركات الخاصة. لا يستطيع العراق السيطرة على كل أزمة جيوسياسية تؤثر على الشرق الأوسط، لكن بإمكانه تعزيز قدرته على مواجهة هذه الأزمات من خلال بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وإنتاجية.
في نهاية المطاف، لا ينبغي أن يكون مقياس ثروة العراق النفطية هو عدد البراميل التي يصدرها، بل الازدهار الدائم الذي يوفره لشعبه. فالاستراتيجية الاقتصادية الناجحة من شأنها تحويل النفط من مصدر للتبعية إلى أداة للتنمية، مما يمكّن العراق من مواجهة تحديات المستقبل بمزيد من الاستقرار والاستقلال والثقة.