اللغة العربية بين الإهمال وفقدان الهوية: حين تتراجع اللغة يتراجع الوعي

د. خالد عامر الحديثي

لم تعد أزمة اللغة العربية مقتصرة على الأخطاء الإملائية والنحوية التي تتسلل إلى الكتابة والمحادثات اليومية، بل أصبحت تعكس خللًا أعمق في علاقتنا بلغتنا وهويتنا الثقافية. فالعربية، التي كانت يومًا وعاءً للمعرفة والفكر والأدب، تواجه اليوم مظاهر متزايدة من الإهمال والتهميش، حتى غدا بعض أبنائها يتعاملون معها بوصفها مادة دراسية ثقيلة، لا هويةً ثقافية وذاكرةً حضارية.
المفارقة أن اللغة العربية لم تفقد قدرتها على التعبير، ولم تستنفد إمكاناتها المعرفية والجمالية، وإنما فقد كثير من أبنائها شغفهم بها، وتراجعت عنايتهم بسلامة استعمالها. فأصبح الخطأ اللغوي مألوفًا، والركاكة في التعبير أمرًا لا يستوقف كثيرين، بل إن بعضهم ينظر إلى التحدث بلغة عربية سليمة على أنه تكلّف أو خروج عن المألوف.
وتتجلى هذه الأزمة في مؤسساتنا التعليمية والإعلامية والثقافية، وفي الفضاء الرقمي الذي باتت فيه اللغة تتعرض للاختزال والتشويه، فضلًا عن شيوع الكتابة العامية في مواضع تستدعي الفصحى، واستخدام المفردات الأجنبية دون ضرورة، وكأن الاستعانة بلغة أخرى تمنح المتحدث مكانة ثقافية أعلى.
ولا تكمن المشكلة في تعلم اللغات الأجنبية أو الانفتاح على الثقافات الأخرى؛ فذلك ضرورة معرفية وحضارية، وإنما تكمن في أن يتحول هذا الانفتاح إلى اغتراب عن اللغة الأم، وأن يصبح الاعتزاز باللغات الأخرى مقرونًا بالتقليل من شأن العربية.
إن المسؤولية عن هذا التراجع لا تقع على جهة واحدة؛ فالأسرة مسؤولة عن غرس المحبة اللغوية، والمدرسة مسؤولة عن تحويل العربية من قواعد جامدة إلى مهارة في التفكير والتعبير، والجامعة مطالبة بأن تجعل سلامة اللغة جزءًا من التكوين العلمي، أما المؤسسات الإعلامية والثقافية فعليها أن تدرك أن اللغة ليست أداة لنقل الأخبار والأفكار فحسب، بل هي شريك في تشكيل الوعي العام.
ومن المؤسف أن نحتفي باللغة العربية في يومها العالمي، ثم نعود إلى إهمالها في بقية أيام السنة، وأن نتغنى بتاريخها وبلاغتها، بينما لا نبذل جهدًا كافيًا لقراءتها وإتقانها وتعليمها للأجيال الجديدة. فالاحتفاء الحقيقي باللغة لا يكون بالخطب والشعارات، بل بممارستها والارتقاء بها وإعادة الاعتبار إلى القراءة والكتابة والتعبير السليم.
ولعل أخطر ما تواجهه العربية ليس انتشار العامية أو دخول المفردات الأجنبية، فهذه ظواهر يمكن التعامل معها في إطار التطور اللغوي والاجتماعي، وإنما الخطر الحقيقي أن يفقد أبناؤها الشعور بقيمتها، وأن تنقطع الصلة بينهم وبين تراثها المعرفي والأدبي، وأن تصبح اللغة التي يفكرون بها ويكتبون بها آخر اهتماماتهم.
فاللغة ليست أصواتًا ومفردات وقواعد فحسب، بل هي طريقة في رؤية العالم، ومستودع للذاكرة، ووعاء للانتماء. وحين نهمل لغتنا، فإننا لا نهمل وسيلة للتواصل فقط، بل نُضعف أحد أهم مكونات وجودنا الثقافي والحضاري.
إن إنقاذ العربية لا يحتاج إلى مزيد من الرثاء، بل إلى مشروع ثقافي وتربوي يعيدها إلى الحياة اليومية، ويجعلها لغةً للعلم والإبداع والحوار، لا مجرد مادة للامتحان أو شعار للمناسبات.
فالأمم لا تفقد لغاتها حين تعجز عن نطقها، بل حين تفقد الإحساس بقيمتها؛ واللغة التي لا يحميها أهلها في حاضرهم، لن يحميها تاريخها مهما كان عظيمًا.

قد يعجبك ايضا
∧