تفعيل برلمان كوردستان… مسؤولية وطنية ووفاء لتاريخ من النضال والتضحيات

د. حمدي سنجاري

يمثل تفعيل برلمان إقليم كوردستان في هذه المرحلة خطوة سياسية ومؤسساتية بالغة الأهمية، تتجاوز في دلالاتها مجرد استئناف عمل السلطة التشريعية، لتلامس جوهر النظام الديمقراطي ومبدأ شرعية المؤسسات واستمرارية عملها. فالبرلمان، بوصفه المؤسسة التي تستمد شرعيتها من إرادة الناخبين، لا يمثل إطاراً إدارياً أو سياسياً فحسب، بل يجسد حق المواطنين في التمثيل والمشاركة وصناعة القرار وممارسة الرقابة على السلطات العامة.

ومن الناحية الدستورية والقانونية، تكتسب هذه الخطوة أهميتها من ضرورة الحفاظ على استمرارية المؤسسات الدستورية، واحترام نتائج الانتخابات، وصون الإرادة الشعبية التي عبّر عنها المواطنون من خلال صناديق الاقتراع. فتعطيل العمل البرلماني، مهما كانت أسبابه ومبرراته السياسية، لا ينبغي أن يتحول إلى واقع دائم، لأن المؤسسات الديمقراطية وُجدت أساساً لإدارة الاختلافات، ومعالجة الأزمات، وضمان استمرار الحياة السياسية وفق الأطر القانونية والمؤسساتية.

وفي خضم هذه المرحلة، لا يمكن استحضار تجربة البرلمان الحالية من دون العودة إلى بدايات تأسيسه عام 1992، حين شهد إقليم كوردستان أول انتخابات برلمانية، في محطة تاريخية شكلت تحولاً مهماً في المسار السياسي لشعب كوردستان، بعد عقود طويلة من الاضطهاد والنضال من أجل الحرية والحقوق وتقرير المصير السياسي. ففي الرابع من حزيران عام 1992، انتُخب الراحل جوهر نامق سالم أول رئيس لبرلمان كوردستان، فيما تولى محمد توفيق منصب نائب رئيس البرلمان في دورته الأولى.

لقد كانت تلك التجربة أكثر من مجرد تأسيس مؤسسة تشريعية؛ فقد مثّلت تعبيراً عن إرادة سياسية وشعبية في بناء نظام يقوم على التمثيل الديمقراطي والتعددية والمشاركة السياسية. ونستذكر اليوم، بكل تقدير واعتزاز، جوهر نامق سالم ومحمد توفيق، إلى جانب أعضاء الدورة البرلمانية الأولى وجميع الشخصيات التي أسهمت في وضع اللبنات الأولى لهذه المؤسسة. وكم نتمنى لو كان أولئك الذين رحلوا عنا حاضرين اليوم ليشهدوا استمرار المؤسسة التي شاركوا في تأسيسها، ويروا أن جهودهم وتضحياتهم لم تذهب سدى، وأن التجربة التي انطلقت في ظروف بالغة الصعوبة ما زالت تشكل جزءاً أساسياً من الحياة السياسية في كوردستان.

إن تفعيل البرلمان في هذه المرحلة يمثل، بهذا المعنى، امتداداً لمسيرة سياسية ومؤسساتية لم تكن وليدة ظرف عابر، بل جاءت ثمرة نضال طويل وإيمان راسخ بأن إرادة الشعب لا بد أن تجد إطاراً مؤسسياً يعبر عنها ويحمي حقوقها. ومن هنا، فإن الحفاظ على هذه المؤسسة وتطوير أدائها مسؤولية تتجاوز حدود الأحزاب والكتل السياسية، وترتبط بمستقبل الإقليم ومكانة مؤسساته الديمقراطية.

وانطلاقاً من هذه المسؤولية، كان من المفترض أن تحظى هذه الخطوة بمشاركة جميع القوى والأحزاب الممثلة في البرلمان، بما فيها تلك التي اختارت عدم الحضور. فالاختلاف في المواقف والرؤى حق ديمقراطي أصيل، والمعارضة السياسية جزء لا يتجزأ من أي نظام برلماني سليم، غير أن ممارسة هذا الحق ينبغي أن تتم من داخل المؤسسات، لا من خلال الابتعاد عنها أو تعطيل دورها. فالبرلمان هو المكان الطبيعي لطرح الخلافات ومناقشتها، وتقديم البدائل، وممارسة الرقابة والمساءلة، وليس من مصلحة أي طرف سياسي أن يترك موقعه التمثيلي شاغراً، خصوصاً عندما تكون القضايا المطروحة متصلة بمستقبل الإقليم وحقوق مواطنيه.

وفي اللحظات السياسية المفصلية، لا تُقاس المسؤولية الوطنية بحجم المكاسب الحزبية الآنية، وإنما بمدى القدرة على اتخاذ المواقف التي تخدم المصلحة العامة وتحفظ استقرار المؤسسات. فالتاريخ السياسي لا يتوقف عند حسابات اللحظة أو المبررات التي تُقدّم لتفسير المواقف، بل يسجل كيف تعاملت القوى السياسية مع التحديات، وإلى أي مدى كانت مستعدة لتقديم المصلحة الوطنية على الاعتبارات الحزبية الضيقة. وهناك مواقف تظل حاضرة في الذاكرة السياسية بوصفها تعبيراً عن الحكمة وتحمل المسؤولية، فيما تثير مواقف أخرى تساؤلات حول طبيعة الخيارات التي اتخذها أصحابها في لحظات كانت تتطلب الحضور والمشاركة.

إن مصلحة إقليم كوردستان وشعبه يجب أن تظل فوق المصالح الشخصية والحزبية والحسابات السياسية الآنية. فالبرلمان ليس ملكاً لحزب أو جهة أو كتلة بعينها، وإنما هو مؤسسة عامة تستمد شرعيتها من الناخبين، وتمثل مختلف مكونات المجتمع واتجاهاته السياسية. ومن ثم، فإن مسؤولية الحفاظ عليه تقع على عاتق الجميع، سواء كانوا في موقع السلطة أم المعارضة، لأن قوة المؤسسة لا تتحقق بانفراد طرف بالقرار، بل بقدرتها على استيعاب التعددية وإدارة الاختلاف وفق القواعد الديمقراطية والقانونية.
ونأمل أن يشكل تفعيل البرلمان بداية لعودة جميع الكتل والأحزاب والأعضاء الذين لم يشاركوا في العملية البرلمانية، وأن تكون هذه الخطوة فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بين القوى السياسية، وفتح مسار جديد للحوار والتفاهم. فالمطلوب اليوم ليس مجرد استكمال النصاب أو عقد الجلسات، بل إعادة الاعتبار إلى الدور التشريعي والرقابي للبرلمان، وتمكينه من ممارسة اختصاصاته، والتعامل مع الملفات التي تمس حياة المواطنين ومستقبل الإقليم. كما أن نجاح هذه المرحلة يتطلب إرادة سياسية متبادلة، واستعداداً لتجاوز الخلافات، والاحتكام إلى الحوار والمؤسسات بدلاً من القطيعة والتصعيد.

إن قوة كوردستان لا تُقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات اقتصادية أو سياسية أو أمنية، وإنما بمدى تماسك مؤسساتها وقدرتها على أداء وظائفها، وبمدى استعداد قواها السياسية لإدارة خلافاتها بمسؤولية، من دون أن تتحول تلك الخلافات إلى عامل يهدد الاستقرار أو يضعف ثقة المواطنين بمؤسساتهم.

ولا يمكن الحديث عن صون مكتسبات الإقليم من دون استحضار التضحيات الجسيمة التي قدمها أبناء شعب كوردستان، وفي مقدمتهم شهداء البيشمركة، وكل الذين بذلوا أرواحهم ودماءهم دفاعاً عن أرض كوردستان وكرامة شعبها وحقوقه المشروعة. فما تحقق من مكتسبات سياسية ومؤسساتية لم يكن منحة من أحد، بل جاء نتيجة عقود من النضال والصمود والتضحيات. ومن واجب الأجيال والقوى السياسية الحالية أن تدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها في حماية هذه المكتسبات وتطويرها، وألا تسمح للخلافات التي يمكن معالجتها بالحوار بأن تتحول إلى تهديد لما تحقق بجهود وتضحيات أجيال متعاقبة.

إن برلمان كوردستان يقف اليوم أمام مسؤولية تاريخية، مثلما تقف الأحزاب والقوى السياسية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على تقديم المصلحة الوطنية على الاعتبارات الحزبية، وحقوق المواطن على المصالح الخاصة، ومكانة المؤسسة العامة على الخلافات السياسية. فالمعارضة الفاعلة لا تُقاس بالابتعاد عن المؤسسات، وإنما بمدى حضورها وتأثيرها وقدرتها على ممارسة الرقابة وتقديم البدائل ومحاسبة السلطة ضمن الأطر القانونية والدستورية. وفي المقابل، فإن نجاح العمل البرلماني لا يتحقق من دون احترام التعددية السياسية، وضمان حق جميع الأطراف في التعبير عن مواقفها وممارسة دورها الرقابي والتشريعي.

لقد آن الأوان لأن يستعيد برلمان كوردستان مكانته بوصفه بيتاً سياسياً جامعاً، تتلاقى تحت قبته مختلف الآراء والاتجاهات، وتُصان فيه الحقوق، وتُناقش فيه الخلافات، وتُعالج من خلاله الأزمات. فالمؤسسات القوية لا تعني غياب الاختلاف، بل تعني القدرة على إدارة هذا الاختلاف وتحويله من مصدر للأزمات إلى عنصر من عناصر النضج الديمقراطي.

وفي الختام، فإن أصدق تعبير عن الوفاء لأولئك الذين أسهموا في تأسيس برلمان كوردستان عام 1992، وللمناضلين والشهداء الذين قدموا أغلى ما يملكون من أجل كوردستان، هو الحفاظ على المؤسسات التي ناضلوا من أجل قيامها، والارتقاء بأدائها إلى مستوى تطلعات المواطنين وتضحيات الأجيال السابقة. فالأوطان لا تُبنى بانتصار حزب على آخر، ولا تُحمى بتغليب المصالح الضيقة، وإنما تتقدم حين تتوحد الإرادات حول المصلحة العامة، وتحترم القوى السياسية مسؤولياتها، وتضع مستقبل الشعب فوق كل اعتبار.

قد يعجبك ايضا
∧