الصحفي والمحامي عرفان الداوودي
في كل مجتمع توجد شخصيات تتبدل مواقفها بتبدل المصالح، وترتدي أكثر من قناع بحسب الجهة التي تحقق لها مكاسبها الشخصية. والمؤسف أن بعض هذه الشخصيات، ممن يُحسبون على المكوّن الكوردي، وصل بهم الأمر إلى التنصل من هويتهم العشائرية أو تغيير تسمياتهم وانتماءاتهم، ثم اتخاذ مواقف عدائية تجاه إقليم كوردستان وحكومته وشعبه، لا انطلاقاً من حرص وطني أو نقد مسؤول، وإنما بدوافع ومصالح شخصية، بحسب ما تكشفه مواقفهم وتصرفاتهم.
إن الاختلاف مع حكومة إقليم كوردستان حق مشروع، والنقد السياسي والإعلامي حق مكفول، ولا يجوز أن يكون الانتماء القومي أو العشائري شرطاً للصمت أو التخلي عن حرية التعبير. لكن هناك فرقاً واضحاً بين النقد المسؤول الذي يهدف إلى الإصلاح، وبين التحريض المتعمد والإساءة إلى شعب بأكمله، أو العمل لمصلحة جهات خارجية على حساب أمن الإقليم واستقراره.
كوردستان ليست حكومة عابرة، وليست منصباً أو مكسباً سياسياً، بل أرض وشعب وتاريخ وتضحيات وذاكرة أجيال.
ومن هنا، فإن من حق مؤسسات إقليم كوردستان أن تتعامل بجدية مع أي معلومات أو أدلة تتعلق بالتجسس أو العمالة أو التعاون غير المشروع مع جهات معادية، وأن تحيل الملفات التي تتوافر فيها أدلة قانونية إلى الجهات القضائية المختصة، لاتخاذ الإجراءات التي ينص عليها القانون.
أما إطلاق وصف جاسوس أو عميل أو جاش على أي شخص لمجرد انتقاده للحكومة أو اختلافه معها، فهو أمر لا يجوز قانوناً ولا أخلاقياً. فهذه اتهامات خطيرة لا تثبت بالشعارات أو الخصومات السياسية، وإنما بالأدلة والتحقيق والمحاكمة العادلة.
المطلوب ليس إبعاد أصحاب الآراء المخالفة، بل محاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن جريمة أو تهديد لأمن الإقليم، وفق القانون، دون تمييز أو انتقائية.
كما أن على الشخصيات العشائرية والسياسية والإعلامية أن تدرك أن الانتماء ليس وسيلة للمساومة، وأن اسم العشيرة لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء للمصالح الشخصية أو منصة للإساءة إلى الآخرين. فالعشائر الكوردية والعراقية عموماً لها تاريخ طويل من الكرامة والوفاء والمواقف الوطنية، ولا يجوز تحميلها تبعات تصرفات أفراد.
إن إقليم كوردستان يتسع للاختلاف في الرأي، لكنه يحتاج في الوقت ذاته إلى حماية أمنه ومؤسساته من أي نشاط غير مشروع، وإلى ترسيخ دولة القانون والمؤسسات، بعيداً عن الانتقام والتخوين والتصفيات السياسية.
وفي الختام، نقول إن المواقف هي التي تكشف حقيقة الأشخاص، وإن التاريخ لا يحفظ أسماء المتلونين بقدر ما يحفظ مواقف أصحاب المبادئ.
كوردستان أكبر من المصالح الشخصية، وأكبر من المناصب، وأكبر من كل من يحاول استغلال اسمها حين يحتاج إليها ثم يسيء إليها حين تتعارض مصالحه معها.
حفظ الله كوردستان وشعبها، وحفظ العراق بكل مكوناته، وجعل القانون والعدالة أساساً لحماية الحقوق وصيانة الكرامة.