د. نوري جاسم
لا تمثل الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة الأمريكية مجرد استحقاق انتخابي دوري، ولا تقتصر أهميتها على اختيار أعضاء جدد في الكونغرس أو تغيير بعض حكام الولايات، بل تتجاوز ذلك لتشكل محطة سياسية مفصلية في تحديد موازين القوى داخل الدولة الأمريكية، ورسم حدود العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وتحديد قدرة الإدارة الأمريكية على مواصلة تنفيذ برنامجها السياسي والاقتصادي خلال ما تبقى من الولاية الرئاسية.
وتكتسب انتخابات الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2026 أهمية استثنائية لكونها تأتي في منتصف الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترامب، وفي ظل تحولات دولية متسارعة وتحديات اقتصادية وأمنية وجيوسياسية متشابكة.
وتشمل هذه الانتخابات المقاعد الـ435 في مجلس النواب، و35 مقعداً في مجلس الشيوخ، فضلاً عن انتخابات حكام 36 ولاية، إلى جانب انتخابات المجالس التشريعية والمناصب المحلية والاستفتاءات في عدد من الولايات. وهذا الاتساع في نطاق الانتخابات يجعلها اختباراً سياسياً يتجاوز حدود العاصمة واشنطن إلى مختلف الولايات والمجتمعات الأمريكية.
الكونغرس وموازين السلطة
تكمن الأهمية الأساسية لهذه الانتخابات في طبيعة النظام الدستوري الأمريكي، القائم على الفصل بين السلطات والتوازن والرقابة المتبادلة بينها. فالرئيس، مهما امتلك من صلاحيات دستورية وسياسية، لا يستطيع إدارة الدولة بمعزل عن الكونغرس، الذي يمتلك سلطة التشريع وإقرار الموازنات وممارسة الرقابة على أداء الإدارة التنفيذية. ومن هنا، فإن احتفاظ الحزب الجمهوري بالأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ يمنح إدارة ترامب مجالاً أوسع لتمرير تشريعاتها وبرامجها، في حين أن انتقال الأغلبية في أحد المجلسين أو كليهما إلى الحزب الديمقراطي من شأنه أن يغير طبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس، ويمنح المعارضة أدوات أوسع للرقابة والتحقيق ومراجعة السياسات الحكومية. وبذلك تصبح الانتخابات اختباراً لمدى قدرة الرئيس على الاحتفاظ بالدعم السياسي والتشريعي اللازم لتنفيذ برنامجه. وحجم الانعكاسات الاقتصادية والدولية ولا تتوقف أهمية هذه الانتخابات عند حدود السياسة الداخلية، إذ تمتد آثارها إلى الاقتصاد الأمريكي والعلاقات الدولية. فالقرارات المتعلقة بالضرائب والإنفاق الحكومي والتجارة والطاقة والهجرة والرعاية الصحية تتأثر بدرجة كبيرة بالتوازنات الحزبية داخل الكونغرس. أما على المستوى الدولي، فإن نتائجها ستكون موضع اهتمام واسع لدى الدول والحكومات، نظراً إلى الدور الأمريكي في القضايا الأمنية والاقتصادية والتحالفات الدولية.
فالملف الإيراني، والحرب الروسية الأوكرانية، والعلاقات مع الصين، وأمن الخليج، والقضية الفلسطينية، ومستقبل سوريا، جميعها ملفات ترتبط بدرجات متفاوتة بتوجهات الإدارة الأمريكية وبالبيئة السياسية والتشريعية التي تعمل ضمنها. ومع ذلك، فإن تغيير الأغلبية في الكونغرس لا يعني بالضرورة حدوث تحول فوري في السياسة الخارجية الأمريكية، لكنه قد يؤثر في تمويلها وأدوات تنفيذها وحدودها السياسية.
العراق في دائرة الاهتمام
أما العراق، فمن المهم أن يتابع هذه الانتخابات بعين سياسية واستراتيجية، لا بوصفها شأناً أمريكياً داخلياً فحسب، وإنما باعتبارها حدثاً قد تكون له انعكاسات على طبيعة العلاقات العراقية الأمريكية ومستقبل التعاون الاقتصادي والأمني والسياسي بين البلدين. فالعراق يحتاج إلى قراءة دقيقة للتحولات في السياسة الأمريكية، وإلى بناء علاقاته الخارجية على أساس المصالح الوطنية المتبادلة، واحترام السيادة، وتحقيق الاستقرار، بعيداً عن الرهان على حزب أمريكي دون آخر.
كما أن المرحلة المقبلة تفرض على صانع القرار العراقي امتلاك رؤية واضحة للتعامل مع مختلف الاحتمالات السياسية في واشنطن، بما يحفظ المصالح العراقية ويعزز استقلال القرار الوطني.
انتخابات تتجاوز حدود الولايات المتحدة وإن القيمة الحقيقية لانتخابات منتصف الولاية لا تكمن فقط في معرفة الحزب الذي سيحصل على الأغلبية، بل في معرفة طبيعة التوازن الجديد الذي ستفرزه صناديق الاقتراع، ومدى انعكاسه على مؤسسات الدولة الأمريكية وعلى دور الولايات المتحدة في العالم. فالانتخابات، في جوهرها، ليست مجرد تنافس بين الجمهوريين والديمقراطيين، وإنما إحدى الآليات الدستورية التي يُعاد من خلالها توزيع النفوذ السياسي، وتُختبر بها قدرة المؤسسات على ممارسة الرقابة والمحاسبة. وفي عالم تتشابك فيه المصالح وتتسارع فيه التحولات، لم تعد نتائج الانتخابات الأمريكية شأناً داخلياً محضاً؛ بل أصبحت مؤشراً مهماً تراقبه عواصم العالم، ومنها بغداد، لما يمكن أن تحمله من تأثيرات على مستقبل العلاقات الدولية وتوازنات المنطقة.
فما ستكشفه صناديق الاقتراع الأمريكية لن يحدد فقط شكل الكونغرس للعامين المقبلين، بل سيكشف أيضاً حدود القوة السياسية للرئيس، وطبيعة المرحلة التي تدخلها الولايات المتحدة في الداخل والخارج.