الإيزديون ومحاولات تغيير هويتهم القومية

أ.د.شيرزاد زكريا السليڤاني

لم تقتصر إجراءات الحكومات العراقية السابقة في محاربتها للحركة التحررية الكوردية على المواجهة العسكرية والإجراءات الأمنية، بل تجاوزت ذلك إلى محاولات التأثير في الهوية القومية للمجتمع الكوردي، واستخدام بعض الاختلافات الدينية والاجتماعية لإبعاد أبناء هذا المجتمع عن قضيتهم القومية. ومن بين تلك المحاولات ما قامت به حكومة الرئيس العراقي الأسبق عبد السلام محمد عارف (1963- 1966) في منتصف ستينيات القرن الماضي، عندما سعت إلى فصل الكورد الإيزديين عن محيطهم القومي الكوردي، والادعاء بأنهم في الأصل عرب.
فلم تقتصر إجراءات الحكومة على تعريب بعض المناطق بترحيل الكورد منها وإحلال العشائر العربية محلهم، بل تجاوزت ذلك إلى محاولة تعريب الكورد الإيزديين، وإدخالهم في تشكيلات المرتزقة الكورد، وإبعادهم عن النشاطات السياسية الكوردية أو الالتحاق بالثورة الكوردية.
ولتحقيق هذا الهدف، كلفت السلطات بايزيد بن إسماعيل بك بن عبدي بك، الذي تلقب بالأموي، بالقيام بهذه المهمة، وفتحت له مكتباً في شارع الرشيد ببغداد باسم (المكتب الأموي). وادعى بايزيد بأنه ينتسب إلى الأمويين العرب، ودعا الكورد الإيزديين إلى إنكار أصلهم الكوردي والادعاء بأنهم عرب، والاستعداد لمحاربة الثورة الكوردية. وركز نشاطه على منطقة شنگال (سنجار)، إلا أن دعوته لم تلقَ الاستجابة المطلوبة، بل قوبلت بالفشل والاستهزاء، ولا سيما من الإيزديين أنفسهم. ولم يمض وقت طويل حتى باءت جهود بايزيد بالفشل، وتوارى هو ومكتبه عن المشهد، ولم يبقَ له أثر يذكر.

وللوقوف على أسباب فشل بايزيد (الأموي) في حشد الإيزديين ضد الثورة الكوردية، أرادت الحكومة التأكد بنفسها من قومية الطائفة الدينية الإيزدية، فاستفسرت عن ذلك من المرجعيات الإيزدية. وجاء جواب أمير الإيزديين تحسين سعيد بك والمسؤول الديني للطائفة بابا شيخ صريحاً، إذ أكدا أن: “منشأ هذه الطائفة هو في شمال العراق في المناطق الكُردية، وبذلك تعتبر قومية أفرادها (القومية الكُردية)، سواء المقيمين حالياً في شمال العراق أو من هاجر من العراق إلى البلاد الأخرى”.
وتكتسب هذه الإجابة أهمية خاصة؛ لأنها صدرت عن المرجعيتين الدينية والاجتماعية للإيزديين، وجاءت في سياق استفسار رسمي من الحكومة العراقية عن قومية أبناء الطائفة. وهي بذلك تمثل شهادة تاريخية مهمة على موقفهما من الانتماء القومي للإيزديين في تلك المرحلة.
ومن خلال الوثائق الرسمية المتعلقة بهذا الموضوع، نلاحظ أن المسألة لم تكن مجرد استفسار عابر، بل أصبحت موضع مراسلات وتحقيقات إدارية. فقد تضمنت إحدى الوثائق الصادرة من قائمقامية قضاء شيخان والمؤرخة في 4/1/1966، والمعنونة بموضوع (قومية اليزيدية)، معلومات ومناقشات تتعلق بأصل الإيزديين وانتمائهم، كما تكشف الوثائق الأخرى عن وجود آراء متباينة بين المسؤولين الإداريين في المنطقة. ومن الجدير بالذكر أن بعض المسؤولين الإداريين في قضائي زاخو وشنگال وناحية سميل كتبوا إلى مراجعهم، ومن دون الاستفسار من وجوه الإيزديين، أن أصل الإيزديين عرب، مستندين في ذلك إلى التزامهم بالعادات والتقاليد العربية.
وهنا تبرز مفارقة تاريخية تستحق التوقف عندها؛ ففي الوقت الذي كان فيه الأمير تحسين سعيد بك وبابا شيخ يؤكدان القومية الكوردية للإيزديين، كانت بعض التقارير الإدارية تتبنى رأياً مختلفاً، وتربط الأصل القومي بالطابع الاجتماعي والعادات والتقاليد. وهذا الاختلاف بين الموقفين يكشف أهمية الرجوع إلى الوثائق ومقارنة المعلومات الواردة فيها، وعدم التعامل مع كل ما كتبته الدوائر الرسمية بوصفه حقيقة تاريخية لا تقبل النقاش.
إن استحضار هذه الحادثة التاريخية اليوم ليس لمجرد العودة إلى الماضي، وإنما لأن بعض مظاهرها تعيد طرح نفسها في أيامنا هذه، وإن اختلفت الظروف والوسائل. فبعد ما شهدته المنطقة من حروب ومآسٍ، ولا سيما دخول قوات تنظيم داعش الإرهابي إلى مناطق شنگال وغيرها، وارتكابها جريمة الإبادة الجماعية بحق الكورد الإيزديين، نشهد اليوم ظهور مجموعات وشخصيات تتبنى خطاباً ينكر الأصل الكوردي للإيزديين، وتدعي عدم كوردستانيتهم، وسط دعم من قوى داخلية وخارجية لها حساباتها وأجنداتها الخاصة.
إن ما حاولت الحكومة العراقية القيام به سنة 1965 في عهد الرئيس عبد السلام محمد عارف يشبه، إلى حد كبير، بعض ما نشهده اليوم من محاولات لإثارة مسألة الهوية القومية للإيزديين، مع اختلاف الظروف السياسية والتاريخية بين المرحلتين. ومن هنا، فإن العودة إلى تلك الوثائق ليست مجرد استذكار لسياسات الماضي، بل هي دعوة إلى قراءة التاريخ والاستفادة من دروسه، وعدم السماح للخلافات السياسية بأن تتحول إلى خلافات حول الجذور والانتماء.
ولا شك أن الشواهد التاريخية والجغرافية والوثائق الرسمية تمثل عناصر أساسية في دراسة هوية الإيزديين وعلاقتهم بكوردستان، ولا يمكن تجاوزها أو تجاهلها بسبب خلافات سياسية أو حزبية. كما أن اختلاف الإيزديين في مواقفهم السياسية أو توجهاتهم الحزبية أمر طبيعي، ومن حق كل فرد أو مجموعة اختيار الموقف الذي يراه مناسباً، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون سبباً لإنكار التاريخ أو التنكر للروابط القومية والجغرافية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد أن احترام خصوصية الإيزديين الدينية والثقافية لا يتعارض مع الاعتراف بجذورهم وانتمائهم الكوردي، بل إن احترام التنوع والخصوصية هو جزء من احترام الهوية الكوردستانية نفسها. فليس المطلوب أن يتبنى الجميع موقفاً سياسياً أو حزبياً واحداً، وإنما المطلوب ألا تتحول الاختلافات السياسية إلى وسيلة للتشكيك في التاريخ والهوية.
إن الخلافات السياسية والحزبية أمر، وإنكار الأصل والانتماء أمر آخر لا مبرر له. ومن المهم ألا نسمح للخلافات الراهنة بأن تؤثر في العلاقات التاريخية بين مكونات المجتمع الكوردستاني، أو أن تتحول إلى وسيلة لإثارة الانقسام بينها.
لقد كشفت وثائق سنة 1965 أن محاولات توظيف الهوية الإيزدية في الصراع مع الحركة التحررية الكوردية لم تكن وليدة الظروف الحالية، بل لها جذور تاريخية تستحق الدراسة والتوثيق. ولذلك فإن مسؤولية المؤرخين والباحثين والمثقفين اليوم هي توضيح الحقائق التاريخية، ووضع الوثائق أمام الرأي العام، بعيداً عن المبالغة والمزايدات السياسية.
فالتاريخ ليس ملكاً لحزب أو جماعة أو شخص، والهوية ليست موضوعاً للمساومة السياسية. والإيزديون جزء أصيل من تاريخ كوردستان ومجتمعها، والحفاظ على هذه الحقيقة مسؤولية مشتركة. وما نحتاج إليه اليوم ليس المزيد من الخلافات، بل تعزيز التفاهم والاحترام المتبادل، والتمسك بالروابط التاريخية والجغرافية التي تجمع أبناء هذه الأرض.

قد يعجبك ايضا
∧