يوسف مَلَك… حين يقودك كتابٌ إلى رجل، ويقودك الرجل إلى صديق

ماهين شيخاني

حكاية بدأت بكتاب من إعداد وتحرير الدكتور أحمد ريزان و ملا سعيد دوندار

أحياناً لا نختار الشخصيات التي نكتب عنها. هي التي تختار طريقها إلينا.

كنت جالساً أقرأ الكتاب : «الشيخ محمد عيسى… سيرة عالم وسيرة مناضل». كنت أتابع سيرة الشيخ، العالم والمناضل، وبين صفحات الكتاب استوقفني اسم آشوري ذكره الشيخ بتقدير واحترام لافتين.

لم يكن الاسم مجرد اسم. كان وراءه رجل. وكان وراء الرجل كتاب. وكان وراء الكتاب موقف.

توقفت. أعدت قراءة الفقرة مرة، ثم ثانية، ثم ثالثة. وسألت نفسي: من هذا الرجل؟ ماذا كتب؟ ولماذا ذكره الشيخ محمد عيسى بهذا التقدير؟

بدأت أبحث. ومن اسم إلى اسم، ومن صفحة إلى أخرى، بدأت أتعرف إلى شخصية لم تكن حاضرة في ذاكرتي كما ينبغي أن تكون.

إنه يوسف مَلَك.

الكاتب والصحفي والمفكر الآشوري الكلداني، الذي لم يكتفِ بالكتابة عن قضية شعبه، بل جعل من قلمه أيضاً منبراً للدفاع عن القضية الكوردية وحقوق الكورد.

لكن المفاجأة لم تكن هنا. المفاجأة كانت أنني، وأنا أبحث عن يوسف مَلَك، اكتشفت أنني لم أكن أول من وصل إليه. فقد سبقني إليه الصديق والكاتب ديلاور زنكي، الذي كتب عنه مقالاً مستقلاً بعنوان: «يوسف ملك علم من أعلام الفكر والسياسة الكلدوآشوري (1899–1959م)». وفي ذلك المقال، قدّم ديلاور سيرة واسعة للرجل، وتوقف عند علاقته بالقضية الكوردية، وكتاباته عنها، وصلاته بالشخصيات الكوردية، وكتابه «كردستان أو بلاد الأكراد».

وهكذا وجدت نفسي أمام اربعة أسماء لا ينبغي فصلها في هذه الحكاية:

أحمد ريزان وملا سعيد دوندار… الذان أشارا إلى الاسم.
يوسف مَلَك… الذي استحق أن أتوقف عنده.
وديلاور زنكي… الذي سبقني إلى إنصافه والكتابة عنه.

وهنا تعلمت درساً آخر من الكتابة: ليس المهم دائماً أن تكون أول من يصل. المهم أن تعرف قيمة من وصلت إليه.

من هو يوسف مَلَك؟

وُلد يوسف جاجو فرنسيس مَلَك في بغداد في 28 آذار 1899، لأسرة كلدانية كاثوليكية من قضاء تلكيف التابع لمحافظة نينوى. تلقى تعليمه في كلية القديس يوسف في بيروت، وأجاد العربية والفرنسية والإنكليزية والتركية.

عمل مترجماً في الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى، وعُرض عليه منصب قائمقام الشيخان، فرفضه، مفضلاً النضال على الامتيازات. انتقل من بغداد إلى حلب، حيث حضر مؤتمراً كورديّاً–آشوريّاً عام 1931، ثم استقر في بيروت، وبدأ نشاطه الصحفي والفكري.

كانت له صلات مع عدد من الشخصيات الكوردية البارزة، ومن بينهم جلادت بدرخان وكاميران بدرخان وروشن بدرخان، كما كتب عن القضية الكوردية في الصحافة العربية والأجنبية.

ولم يكن يوسف مَلَك كوردياً. وهذه تحديداً هي إحدى النقاط التي تجعل سيرته جديرة بالتوقف.

كان آشورياً كلدانياً، يحمل قضية شعبه وذاكرته وجراحه، لكنه لم يرَ أن الوفاء لشعبه يقتضي أن يغلق عينيه عن حقوق الآخرين. بل فعل العكس. اتسع قلمه للقضية الكوردية، كما اتسع للقضية الآشورية.

«كردستان أو بلاد الأكراد»… كتابٌ من خارج البيت الكوردي

في عام 1945، وفي بيروت، أصدر يوسف مَلَك كتابه:

«كردستان أو بلاد الأكراد: بحث سياسي يتناول مطالب الأكراد الاستقلالية»

والكتاب مثبت في الفهارس الببليوغرافية الفرنسية، وصدر عن مطابع صادر ريحاني عام 1945.

نحن لا نتحدث عن مقالة عابرة كتبها الرجل ذات يوم بدافع التعاطف. بل عن كتاب كامل خصصه للقضية الكوردية. أي أن القضية كانت بالنسبة إليه موضوعاً سياسياً وفكرياً يستحق البحث والتوثيق والدفاع.

وقد ختم مالك كتابه بكلمات لا تزال تتردد حتى اليوم، كأنها كُتبت لزمننا هذا:

«يا أبناء كردستان! مسيحيين كنتم أم مسلمين، كردستان هي وديعة مقدسة في أعناقكم، أورثكم إياها الآباء، فحافظوا على هذا التراث لكي يكون بإستطاعتكم وإستطاعة أحفادكم المحافظة على كل عزيز في الحياة ضمن إطار كردستان. لتعش كردستان حرة طليقة في ظل علمها المثلث الالوان الرامز الى الطبيعة والحياة والطهارة.»

هذه الكلمات وحدها تكفي لفهم الرجل. إنه لا يخاطب الكورد فقط، بل يخاطب المسيحيين والمسلمين معاً، ويضع «كردستان» فوق كل الانتماءات الفرعية. ويصف العلم الكوردي بألوانه الثلاثة بأنها ترمز إلى «الطبيعة والحياة والطهارة»، وكأنه يبارك الرمز الذي سيرفرف لاحقاً في سماء كوردستان.

ويُظهر مالك في كتابه انحيازاً واضحاً للحق الكوردي، حيث انتقد السياسة البريطانية التي قمعت الثورة الكوردية ضد العراقيين، مؤكداً أن «على بريطانيا كان أن تدعم رؤية كردستان المستقلة بدلاً من دعم فيصل، بأي ثمن، ولغرض وحيد هو حماية مصالحها النفطية في العراق».

من سميل إلى كوردستان: الرجل الذي حمل جرحين

عاش يوسف مَلَك في زمن كانت فيه القضية الآشورية مثقلة بالجراح. كتب عن مذبحة سميل عام 1933، حيث قُتل آلاف الآشوريين، وترك مؤلفات عدة في هذا المجال، من بينها:
· «الخيانة البريطانية للآشوريين»
· «سميل مقبرة الجبابرة المغرر بهم»

وهنا تكمن المفارقة الإنسانية الجميلة:

الرجل الذي كان يحمل مأساة شعبه لم يجعل من المأساة جداراً يفصله عن الآخرين. كان يستطيع أن يقول: هذه جراحنا، وهذه قضيتنا، وليبحث الآخرون عن قضاياهم.

لكنه لم يفعل. بل رأى في اضطهاد الشعوب المختلفة قضية واحدة من حيث المبدأ: الظلم ظلم، أياً كان اسم ضحيته.

وهذا هو الفرق بين من يحمل هويةً ومن يتحول إلى أسير لها.

موقفٌ يختصر الرجل: إعادة الأوسمة

من أكثر المواقف التي تكشف شخصية يوسف مَلَك، قصة إعادته ثلاثة أوسمة بريطانية سنة 1956 احتجاجاً على السياسة البريطانية في قبرص، وربطه ذلك بمبدأ حرية الشعوب وحقها في تقرير مصيرها.

لم يكن الرجل يكتب فقط عندما تكون الكتابة بلا ثمن. كان مستعداً لأن يدفع ثمن موقفه.

وهذا ما يجعل وصفه بأنه «قلم شجاع» أكثر من مجرد عبارة أدبية. فالقلم الحر لا يُقاس بما يكتبه عندما يكون آمناً، بل بما يرفض أن يصمت عنه عندما يصبح الصمت أكثر راحة.

العلاقة بالقضية الكوردية: ما هو أبعد من كتاب

لم يكن كتاب «كردستان أو بلاد الأكراد» العمل الوحيد الذي يكشف اهتمام يوسف مَلَك بكوردستان. ففي قائمة مؤلفاته يظهر أيضاً كتاب «ذكرى الأمير جلادت بدرخان»، الذي وضعه بالاشتراك مع المحامي منصور شليطا تخليداً لذكرى الأمير الكوردي جلادت بدرخان.

أي أننا أمام علاقة فكرية وثقافية لم تكن وليدة موقف عابر، بل كانت امتداداً طبيعياً لرؤية إنسانية أوسع.

لماذا يوسف مَلَك الآن؟

لأننا نعيش في منطقة لم تتعلم بعد كيف تجعل اختلافها مصدر قوة. ما زالت القومية في كثير من الأحيان تتحول إلى جدار. والطائفة إلى خندق. والذاكرة إلى سلاح.

ولهذا تأتي سيرة يوسف مَلَك لتطرح سؤالاً مختلفاً: هل يمكن للإنسان أن يكون وفياً لهويته، من دون أن يحولها إلى عداوة للآخر؟

يوسف مَلَك يقدم نموذجاً تاريخياً يستحق الدراسة. كان آشورياً، وكان يحمل قضية شعبه، لكنه كتب عن الكورد، ودافع عن حقوقهم، وتواصل مع رموزهم، وخصص كتاباً لقضيتهم.

وهذا لا يعني أن التاريخ الكوردي–الآشوري كان خالياً من الخلافات والجراح. ولا ينبغي أن نعيد كتابة التاريخ بهذه الطريقة. بل العكس. قيمة يوسف مَلَك أنه يقدم مثالاً على إمكانية أن يحمل الإنسان ذاكرته الخاصة، من دون أن يلغي ذاكرة الآخر.

من أحمد ريزان وملا سعيد دوندار إلى يوسف مَلَك… ومن يوسف مَلَك إلى ديلاور

حين أعود الآن إلى بداية الحكاية، أجد أنها لم تكن مصادفة عابرة.

كنت أقرأ كتاب الدكتور أحمد ريزان وملا سعيد دوندار عن الشيخ محمد عيسى. فتوقفت عند اسم يوسف مَلَك. بحثت عنه. فاكتشفت كتابه عن كوردستان. وتتبعت سيرته. فوجدت مقال ديلاور زنكي. قرأت مقال ديلاور. فاكتشفت أن الرجل الذي أبحث عنه كان قد وجد من يكتب عنه قبلي بسنوات.

وهنا اكتملت الدائرة:

أحمد ريزان وملا سعيد قاداني إلى الاسم.
يوسف مَلَك قادني إلى الحكاية.
وديلاور زنكي قادني إلى ذاكرة سبقتني.

أليس هذا أحد أجمل أسرار القراءة؟ أن الكتاب لا يعطيك دائماً ما تبحث عنه. بل يعطيك أحياناً ما لم تكن تعرف أنك تبحث عنه.

كلمة أخيرة… إلى ديلاور

ولأن هذه المقالة بدأت باعتراف، أريد أن تنتهي باعتراف.

أخي وصديقي ديلاور زنكي،

حين بدأت أبحث عن يوسف مَلَك، لم أكن أعرف أنك سبقتني إلى هذا الرجل. وحين وجدت مقالك عنه، لم أشعر أنك أغلقت الباب أمامي. على العكس. شعرت أنك فتحت الباب أكثر.

فأنت كتبت عنه قبلي، ووثقت سيرته، ونقلت لنا تفاصيل ومواقف ووثائق تستحق أن تبقى حاضرة.

وأنا اليوم لا آتي لأكرر ما كتبته، ولا لأدعي سبقاً ليس لي. أتيت لأقول: لقد قرأت ما كتبت، فازداد إعجابي بالرجل.

وهذه، في رأيي، هي الكتابة حين تكون رسالة لا منافسة. أن يكتب أحدنا عن شخصية، ثم يأتي آخر فيعيد تقديمها لجيل جديد. أن تتراكم الأصوات حول الحقيقة، بدلاً من أن يتنافس أصحابها على امتلاكها.

خاتمة: من كتابٍ إلى رجل… ومن رجلٍ إلى ذاكرة

في البداية كنت أقرأ كتاب الدكتور أحمد ريزان و ملا سعيد دوندار. لم أكن أعرف أن صفحة واحدة ستقودني إلى يوسف مَلَك. ولم أكن أعرف أن البحث عن يوسف مَلَك سيقودني إلى مقال ديلاور زنكي.

لكنني أعرف الآن شيئاً واحداً: بعض الكتب لا تنتهي عندما نغلقها. تظل صفحاتها مفتوحة في ذاكرتنا. تقودنا إلى أسماء. والأسماء تقودنا إلى رجال. والرجال يقودوننا إلى أصدقاء. والأصدقاء يقودوننا أحياناً إلى تاريخ كنا نجهله.

وهكذا يصبح الكتاب أكثر من كتاب. ويصبح البحث أكثر من بحث. وتصبح الكتابة أكثر من كتابة.

أما يوسف مَلَك، فقد خرج من صفحات كتاب قرأته إلى مساحة أوسع في ذاكرتي. خرج منها آشورياً يحمل قضية شعبه، وكاتباً وقف إلى جانب القضية الكوردية، وإنساناً أدرك أن الحق لا يحتاج إلى أن يحمل جنسيتك كي يكون حقاً.

وربما هذه هي الرسالة الأهم التي تركها لنا: أن تحمل جرح شعبك، من دون أن تعميك جراحه عن رؤية جراح الآخرين.

أما أنا، فلم أكتشف يوسف مَلَك. لقد تأخرت فقط في الوصول إليه. والفضل في أن أصل إليه يعود، أولاً، إلى ذلك الاسم الذي مرّ في كتاب الدكتور أحمد ريزان وملا سعيد، ثم إلى كل من حفظ هذا الاسم من النسيان، وفي مقدمتهم صديقي ورفيق القلم ديلاور زنكي.

فالذاكرة ليست ملكاً لمن يصل إليها أولاً.
الذاكرة أمانةٌ يتسلمها جيلٌ من جيل.
ويوسف مَلَك واحد من أولئك الذين يستحقون ألا تسقط أسماؤهم من الذاكرة.

قد يعجبك ايضا
∧