د. خالد عامر الحديثي
لم يمت الكتاب، لكن شيئًا ما مات في داخل القارئ.
تلك الجملة قد تبدو قاسية، لكنها تستحق أن نتوقف عندها. فنحن نعيش زمنًا تتوافر فيه الكتب أكثر من أي وقت مضى، وتنتشر فيه المعرفة على نحو غير مسبوق، ومع ذلك يبدو أن علاقتنا بالقراءة أصبحت أكثر هشاشة. نحمل مكتبة كاملة في هاتف صغير، لكننا نعجز أحيانًا عن البقاء مع كتاب واحد أكثر من دقائق.
كان القارئ القديم يفتح الكتاب ليقرأ.
أما قارئ اليوم، فيفتح هاتفه ليبحث عن شيء، ثم يجد نفسه بعد دقائق يقرأ شيئًا آخر، ثم ينتقل إلى خبر، ثم تعليق، ثم صورة، ثم مقطع قصير، حتى ينتهي به الأمر وقد استهلك عشرات النصوص من دون أن يتذكر منها إلا القليل.
لقد تغيرت علاقتنا بالنص.
لم تعد القراءة عند كثيرين رحلة طويلة داخل فكرة، وإنما أصبحت محطات قصيرة بين إشعار وآخر. ولم يعد القارئ ينتظر الفكرة حتى تكتمل، بل يريدها جاهزة، مختصرة، سريعة، ومعبأة في كلمات قليلة.
وهنا تبدأ المشكلة.
فالقراءة ليست جمع معلومات، وإنما بناء وعي.
والوعي لا يُبنى بالسرعة وحدها.
الكتاب يعلّمنا أن نصبر على الفكرة، وأن نعيش مع السؤال، وأن نختلف مع الكاتب، وأن نعود إلى الصفحة، وأن نقرأ ما بين السطور. أما عالم الشاشة فيدفعنا غالبًا إلى الانتقال المستمر؛ من فكرة إلى فكرة، ومن موضوع إلى موضوع، ومن عالم إلى عالم.
نحن لا نعاني اليوم من نقص المعلومات، بل من فائضها.
والمفارقة أن الإنسان المعاصر يستطيع أن يعرف عشرات الأشياء في اليوم الواحد، لكنه قد لا يمنح فكرة واحدة الوقت الكافي لكي تتحول إلى معرفة راسخة.
لقد أصبحنا نعرف أسماء كثيرة، وأحداثًا كثيرة، وأخبارًا كثيرة، لكننا لا نمنح أنفسنا دائمًا فرصة فهمها.
وهذا هو الفارق بين المعلومة والثقافة.
المعلومة تخبرك أن شيئًا حدث، أما الثقافة فتجعلك تسأل: لماذا حدث؟ وما دلالته؟ وما أثره؟ وكيف يمكن أن أفهمه في سياقه؟
من هنا لا ينبغي أن ننظر إلى الشاشة بوصفها عدوًا للكتاب.
فالشاشة نفسها يمكن أن تكون مكتبة عظيمة. يمكن للطالب أن يصل إلى آلاف المصادر، وللباحث أن يطالع الدراسات، وللقارئ أن يحمل عشرات الكتب معه أينما ذهب.
المشكلة ليست في الشاشة.
المشكلة في أن تتحول الشاشة من نافذة للمعرفة إلى نافذة لابتلاع الوقت.
فالوسيلة لا تصنع قارئًا، وإنما القارئ هو الذي يحدد كيف يستخدم الوسيلة.
يمكن للهاتف أن يقتل ساعات من عمرنا في التمرير، ويمكن أن يمنحنا في الساعة نفسها كتابًا عظيمًا لم نكن نستطيع الوصول إليه قبل سنوات.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل انتصر الهاتف على الكتاب؟
السؤال الأعمق هو: هل انتصرت السرعة على التأمل؟
إذا كانت الإجابة نعم، فنحن أمام قضية تتجاوز الكتاب والورق والشاشة. إنها قضية تتعلق بطريقة تفكير الإنسان نفسه.
فالإنسان الذي اعتاد النصوص القصيرة قد يجد النص الطويل عبئًا، والذي اعتاد الإجابات الجاهزة قد يجد السؤال المفتوح مزعجًا، والذي اعتاد الانتقال السريع بين الموضوعات قد يصعب عليه أن يمنح فكرة واحدة ساعات من التفكير.
وهنا تصبح العودة إلى الكتاب ليست عودة إلى الماضي، وإنما دفاعًا عن حق الإنسان في التفكير ببطء.
لسنا بحاجة إلى أن نهجر التكنولوجيا كي نقرأ، ولا إلى أن نعلن الحرب على الشاشة. نحن بحاجة إلى شيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه: أن نستعيد قدرتنا على التركيز.
أن نقرأ كتابًا دون أن نفتحه كل دقيقتين على إشعار.
أن نترك الصفحة تقودنا بدل أن تقودنا الخوارزمية.
أن نسمح للفكرة بأن تنضج في أذهاننا قبل أن نبحث عن رأي الآخرين فيها.
فالكتاب لا ينافس الهاتف في السرعة، ولا ينبغي له أن يفعل. قوته في شيء آخر: أنه يمنحنا زمنًا مختلفًا؛ زمنًا نتوقف فيه عن الاستهلاك ونبدأ في التأمل.
وربما لهذا السبب تحديدًا لم ينتهِ زمن القراءة.
الذي انتهى، أو يكاد، هو ذلك القارئ الذي كان يقرأ لأنه يريد أن يفهم، لا لأنه يريد أن يعرف فقط.
ولذلك فإن معركتنا الحقيقية اليوم ليست بين الكتاب والشاشة، وإنما بين القراءة والتشتت، وبين المعرفة والاستهلاك، وبين الإنسان الذي يفكر والإنسان الذي يمرر إصبعه على الشاشة بلا نهاية.
وفي عالم يزداد سرعة كل يوم، قد تصبح القراءة فعل مقاومة.
أن تجلس وحدك مع كتاب، وأن تغلق هاتفك، وأن تمنح فكرة واحدة وقتك الكامل؛ قد يبدو ذلك اليوم سلوكًا بسيطًا، لكنه في الحقيقة إعلان صغير عن استقلال العقل.
فالكتاب لم يمت؛ الذي يحتاج إلى الإنقاذ هو القارئ.
وما دام الإنسان قادرًا على أن يفتح كتابًا، ويقرأ، ويتساءل، ويختلف، ويتأمل، فإن زمن القراءة لم ينتهِ.
لكن علينا أن نقرر: هل نريد أن نكون قرّاء، أم مجرد مستهلكين لما تقترحه علينا الشاشة؟