سمير ميراني
تخرج الأوطان من أزمنتها الثقيلة وقد هدأ ضجيج الأسئلة الكبيرة، وبقي القرار وحده في الوسط، ومع جلاء قوات التحالف الدولي عن الدولة، صار هذا الأمر أقرب إلى أهله من أي وقت مضى، وطلب القرار طريقاً يهتدي به.
وتقوم خارطة هذا الطريق على ثلاث ركائز : دولة واحدة، وقرار واحد، وشراكة دستورية، هذا بناء وطني بأيدي أهله، بعيداً عن اليد السوداء التي اعتادت تحريك الخيوط من خلف الستار.
القرار الذي يخرج من بيوت كثيرة يعلّم الناس أن يطرقوا باب الأقوى، والقرار الذي يخرج من المؤسسات الدستورية والتشريعية وحدها يعيد الباب واحداً ، وتنشط قوة الظلام في الفراغ الذي تتعدد فيه مراكز القرار، وتفقد ستارها في المكان الذي تملؤه مؤسسات راسخة.
وفي بيت يدخله الناس من باب واحد، يجلس القضاء على كرسي العدل ويعلو القانون الرؤوس كلها، وتمد السلطة التنفيذية خدماتها بعين واحدة ترى المواطن قبل انتمائه، هناك تقوم الشراكة ، ويتقاسم أبناء الوطن حقوقهم وواجباتهم كما يتقاسم أهل البيت قوتهم.
ويقوم الدستور في هذا البيت عيناً للوطن الواحد، ترعى وحدته الوطنية وتقهر كل قوة تخرج على القانون، ومن ينهب خيرات الدولة ويفسد ما فوق أرضه وما تحتها، يسقط عن نفسه شرف الانتماء إلى هذا البيت، وعندما تتماسك الدولة وتشتد، يتغير أثرها على الأغراب، فيلقونها يوماً عبوساً قمطريراً.
وتكشف السلطة الرشيدة معدنها في إزاحتها عن الناس من تفنن في رفع المحاريب والتماثيل، وعمل في البلاد كما يشاء، وفي مدّها شعبها بجِفانٍ كالجواب وقدورٍ راسياتٍ تتسع للجميع.
هنا تتكشف معادلة الدولة، وبيد السلطة الحاكمة وحدها أن تختار طريقها ، فمن لزم الدستور، عهد الحاكم والمحكوم، لم يضل ولم يشقَ، واتسعت الأرض أمام سلطته، وسندتها المؤسسات واطمأن إليها الناس.
ومن ابتعد عن الدستور، عاش معيشة ضنكاً ، تضيق الأرض على السلطة التي تتجاوزه، وتتحول أدواتها التي ظنتها قوة إلى عبء يثقل خطاها، وتدخل القوة السوداء من كل باب تركته مفتوحاً، هذه معادلة الدولة الجديدة : من يمسك بالقرار يمسك بمصيره.
يمضي أصحاب السلطة وتبقى عين الوطن مفتوحة على ما صنعوه، عدلاً تحفظه ذاكرة الناس أو ضيقاً تحفظه ذاكرتهم أيضاً.