د. أحمد العامري
بعد ٢٠٠٣ اخذ حيز المكون مساحة غير معهودة في الواقع الاجتماعي العراقي حيث خرج عن حالة المألوف في الوصف الى حالة التخندق على حساب الوطن والمجتمع.. بل وأصبح وسيلة لتمزيق النسيج الأجتماعي العراقي المتجانس عبر التأريخ وترسخت لغة المكون بعد ظهور الأحداث الطائفية التي اريد لها ان تكون عامل هدم وتمزيق للمكونات ذاتها قبل البلد ولربما كانت فكرة إدارة المكونات حلاً مؤقتاً لتهدئة الخوف، فصارت مع الزمن هي مصدر الخوف نفسه.عندما نتحدث بلغة المكون، نحن لا نحمي المكون، نحن نعزله بل نضع له سقفاً وحدوداً ونقول له هذه حصتك من الدولة لا الدولة كلها!؟ ومع الوقت، يصبح الولاء للحصة أكبر من الولاء للوطن.!؟
لغة المكونات أنتجت لنا ثلاث عوائق قاتلة…ابرزها
انها وزعت المال بدل أن توحده، فصار المال العام غنيمة تتقاسمها المكونات لا أمانة تحميها الدولة. ومن هنا بدأ الهدر والفساد. والأمر الثاني انها عطلت القانون. فالقانون لا يعمل مع المكونات، القانون يعمل مع المواطنين. وحين يصبح الانتماء المذهبي بطاقة عبور يسقط مبدأ المساواة، ويسقط معه الاستثمار والعدالة والثقة.
والأمر الاخير جعلتنا دولة ضعيفة أمام الخارج. فالدول في منطقتنا اليوم لا تتعامل مع مكونات لكنها تتعامل مع دول متماسكة وقوية لذلك نرى اننا نُستَهدف من كل من هب ودب؟ فالعالم من حولنا يتغير بسرعة، المنطقة كلها تعيد ترتيب نفسها على أساس الدولة القوية والمؤسسة الرصينة، ومن يبقى أسير لغة الداخل الضيقة سيجرفه إعصار الخارج. ما نراه اليوم في المنطقة هو درس واضح الدول التي نجت هي التي خرجت من لغة الطائفة إلى لغة المؤسسة، ومن منطق المحاصصة إلى منطق القانون، ومن إدارة التوازنات إلى إدارة الدولة.
لم يعد لدينا وقت لأضاعته البقاء في مربع المكونات لا يعني التراجع فقط، بل يعني الهلاك البطيء والمؤكد لأن المجتمع ينقسم، والاقتصاد يتشظى، والسيادة تضعف
الخروج من لغة المكون إلى لغة الدولة ليس إلغاءً لأحد بل هو حماية للجميع.
الدولة التي تقول أنا دولة لكل مواطنيها بقانون واحد وخزينة واحدة ومؤسسة واحدة هي وحدها القادرة على أن تحمي المكونات نفسها من صراعها. وأخيراً وليس آخراً.. الدولة التي تبقى اسيرة المكونات تموت وإن بدت حية، والدولة التي تعبر الى لغة القانون والمؤسسة تحيا وأن كانت متعبة، الأختيار لم يعد اليوم بين الجيد والأفضل ولكن بين الدولة واللادولة والله من وراء القصد.