لاوين ابراهيم
انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق وإقليم كوردستان في 30 أيلول 2026 لا يتعلق بمغادرة القوات التي شاركت في الحرب ضد داعش فقط، بل بما سيأتي بعد ذلك. فمع تغير طبيعة الوجود الدولي، تنتقل مسؤوليات أمنية وسياسية أكبر إلى بغداد وأربيل، وتصبح طريقة إدارة هذه المسؤوليات جزءاً أساسياً من المشهد الجديد. ومن هذه الزاوية تكتسب رسالتا الرئيسين مسعود ونيجيرفان البارزاني أهمية خاصة، لأن كل واحدة منهما تضيء جانباً من متطلبات ما بعد المهمة العسكرية.
الرئيس مسعود البارزاني، في رسالته بمناسبة انتهاء المهمة، توقف عند دور التحالف في مساندة العراق وقوات البيشمركة خلال الحرب على الإرهاب، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن انتهاء المهمة العسكرية لا يعني انتهاء العلاقة مع الدول المشاركة في التحالف. فالتعاون يمكن أن يستمر عبر اتفاقيات ثنائية، وفق الظروف والحاجات الأمنية، فيما يبقى التنسيق بين البيشمركة والقوات الاتحادية عنصراً مهماً في المشهد الأمني المقبل.
أما الرئيس نيجيرفان البارزاني، فتناول المسألة من زاوية الدولة والسيادة. فوجود القوات الأجنبية ليس، وفق رؤيته، المعيار الوحيد للسيادة؛ الأهم أن تمتلك الدولة القدرة على اتخاذ قراراتها الأمنية والسياسية، وأن تكون قرارات الحرب والسلام بيد الجهات الدستورية، مع احترام النظام الاتحادي، وتنظيم السلاح، ومعالجة الملفات العالقة بين بغداد وأربيل.
بين الرسالتين نقطة مشتركة واضحة: انتهاء المهمة العسكرية لا يعني انتهاء التعاون الدولي، لكنه يعني انتقال الجزء الأكبر من المسؤولية الأمنية إلى الداخل العراقي. وستبقى الحاجة إلى التدريب والخبرة وتبادل المعلومات والتعاون الأمني قائمة، لكن في إطار مختلف عن وجود قوات أجنبية تؤدي مهام عسكرية مباشرة.
بالنسبة إلى كوردستان، تبرز هنا قضية البيشمركة بصورة خاصة. فتوحيد القوات على أسس مهنية، وتحسين التنسيق مع القوات الاتحادية، يكتسبان أهمية أكبر بعد انتهاء المهمة. كما أن الأمن لا يرتبط بالقوات البرية وحدها؛ فالدفاع الجوي والاستخبارات والمراقبة وحماية المنشآت الحيوية تحتاج إلى قدرات متخصصة، وإلى تعاون مستمر مع بغداد والشركاء الدوليين.
أما داعش، فقد فقد السيطرة على الأراضي التي كان يسيطر عليها، لكن ذلك لا يعني زوال خطره. فالمناطق التي تتداخل فيها المسؤوليات الأمنية يمكن أن تبقى نقاط ضعف إذا لم تعالج بالتنسيق بين بغداد وأربيل. ولذلك فإن وضوح المسؤوليات وتبادل المعلومات والعمل المشترك ستكون عناصر أساسية في منع عودة التهديد إلى مستويات أكبر.
وفي البعد الإقليمي، لن تنتهي الحسابات الأمنية والسياسية للعراق بانتهاء المهمة. فالعلاقة مع الولايات المتحدة ودول المنطقة ستظل مؤثرة في أمن البلاد واستقرارها، فيما تصبح إدارة هذه العلاقات من خلال الدولة أكثر أهمية، بما يحافظ على القرار العراقي ويحد من احتمال تحول العراق إلى ساحة لصراعات إقليمية.
ومن هنا يظهر البعد الكوردستاني الأوسع للحدث. فانتقال مسؤوليات أكبر إلى الداخل لا يفرض على الإقليم تطوير قدراته الأمنية فقط، بل يتطلب أيضاً قدرة سياسية أكبر على تنسيق قراراته وإدارة علاقاته مع بغداد. وهذا يجعل تفعيل البرلمان، وتقوية مؤسسات الإقليم، وتوسيع التنسيق بين القوى السياسية في القضايا الأساسية، مسائل مرتبطة مباشرة بالقدرة على التعامل مع الواقع الأمني والسياسي الجديد.
فالمعادلة بعد انتهاء مهمة التحالف أصبحت أكثر وضوحاً: كلما زادت المسؤولية التي يتحملها الإقليم، ازدادت حاجته إلى قرار أكثر تنسيقاً وقدرة أكبر على تحويل التوافق في القضايا الأساسية إلى عمل مؤسسي. وهذا لا يعني إلغاء التعدد السياسي أو تجاوز الخلافات، بل منع الخلاف من أن يتحول إلى عامل يضعف المصالح المشتركة.
لهذا فإن انتهاء مهمة التحالف يضع كوردستان أمام استحقاق يتجاوز الملف الأمني المباشر. فالقدرة على حماية المصالح الكوردستانية في بغداد، والتعامل مع المحيط الإقليمي والدولي، تبدأ من الداخل: برلمان فاعل، ومؤسسات أقوى، وتنسيق سياسي أوسع، وأولوية واضحة للمصلحة العامة في القضايا المصيرية. وهذه ليست مناشدة منفصلة عن موضوع التحالف، بل هي النتيجة المباشرة للتحول الذي أحدثه انتهاء مهمته: عندما تنتقل مسؤوليات أكبر إلى الداخل، تصبح قوة الإقليم في إدارة شؤونه وتوحيد جهوده جزءاً من قدرته على حماية أمنه ومصالحه.