من جبال النضال إلى الشراكة الاتحادية: ركائز استقرار إقليم كوردستان العراق في المنعطف الجديد

هورين حسن

تزامن قرار الأمانة العامة لمجلس الوزراء الاتحادي، وحكومة إقليم كوردستان، تعطيل الدوام الرسمي في عموم محافظات البلاد أمس واليوم، احتفاءً (بـأيام السيادة) المرافقة ؛ بمناسبة انتقال المسؤولية الأمنية الكاملة بعد انتهاء مهام قوات التحالف الدولي.

جاء الرد العسكري والسياسي حاسماً من هرم القيادة التاريخية ليضفي على هذه العطلة الوطنية مضموناً استراتيجياً واقعياً.

فقد وجّه الرئيس، مسعود بارزاني رسالة رسمية شديدة اللهجة صاغ فيها عبارته الرادعة: “أقول لأي طرف يُخيّل إليه تهديد استقرار كوردستان بأن فيها العدد الكافي من البيشمركة وفدائيي الوطن لإحباط أي تهديد أو اعتداء”.

تؤكد هذه الصياغة المباشرة أن السيادة الوطنية التي تحتفل بها البلاد بأسرها في هذه الأيام، لا تُحمى بالاتفاقات السياسية المجردة فحسب، بل تستند بالدرجة الأولى إلى جهوزية القوى الميدانية للبيشمركة على الأرض، وقدرتها الذاتية على حفظ الأمن والاستقرار في هذا المنعطف الانتقالي الحرج بعد خروج قوات التحالف الدولي.

إرث البيشمركة النضالي

لكي نفهم مغزى عبارة الرئيس بارزاني، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية لكلمة “البيشمركة”، والتي تعني حرفياً “الذين يواجهون الموت”.

هذه القوات ليست نتاج اتفاقيات سياسية حديثة أو تحالفات طارئة، بل هي امتداد لحركة تحررية وطنية عريقة بدأت ملامحها المؤسساتية تتشكل منذ أربعينيات القرن الماضي تحت قيادة الزعيم التاريخي، ملا مصطفى بارزاني.

خاضت البيشمركة عقوداً من النضال المسلح في جبال كردستان الوعرة ضد الأنظمة الديكتاتورية المتعاقبة، وتحملت في سبيل حماية الهوية الكردية، حملات الإبادة الجماعية (الأنفال، والقصف الكيميائي في حلبجة).

ومع ذلك، لم تنكسر عقيدتها القتالية، بل تحولت بعد انتفاضة عام 1991 وتأسيس الملاذ الآمن إلى قوى دفاعية نظامية، تولت حماية تجربة الديمقراطية الناشئة في الإقليم.

ولم تقتصر تضحيات هذه القوات على الجغرافيا الكردستانية؛ ففي مرحلة ما بعد عام 2003، ساهمت البيشمركة بفعالية في بناء المنظومة الأمنية للعراق الجديد وحماية العاصمة بغداد في فترات حرجة.

وجاءت ذروة هذا النضال الحديث في عام 2014، عندما وقفت البيشمركة كحجر زاوية صلب في مواجهة” داعش” الإرهابي، وخاضت معارك طاحنة نيابة عن العالم بأسره، وقدمت آلاف الشهداء والجرحى لحماية مدن الإقليم والبلدات المجاورة، مما أكسبها احتراماً واعترافاً دولياً كقوة حليفة وموثوقة للاستقرار.

حصانة أربيل الدستورية

رافق الإعلان عن انسحاب قوات التحالف موجة من القراءات والتحليلات السياسية، بعضها مدفوع بقلق مشروع من فراغ أمني محتمل، وبعضها الآخر تبنى نبرة تشاؤمية، تلمح إلى إمكانية تعرض الإقليم لضغوط تهدف إلى تقويض كيانه أو حتى زواله.

وسرعان ما عُقدت مقارنات بين وضع الإقليم اليوم، وما جرى للكرد في شمال وشرق سوريا(روج آفا)، حيث تركت التقلبات في مواقف القوى الدولية، الساحة هناك عرضة لعمليات عسكرية وتجاذبات إقليمية هددت استقرارها.

إلا أن تفكيك البنية السياسية والقانونية لكلا الكيانين، يكشف عن فوارق جوهرية شاسعة تجعل من استنساخ التجربة السورية في العراق أمراً مستحيلاً.

إقليم كوردستان ليس سلطة أمر واقع أو إدارية مؤقتة؛ بل هو كيان فدرالي شرعي وقانوني، مثبت ومصان بموجب الدستور العراقي الدائم لعام 2005، الذي حظي بتصويت الأغلبية الساحقة من العراقيين.

هذا الغطاء الدستوري يمنح أربيل اعترافاً دولياً ثابتاً، تترجمه القنصليات والبعثات الدبلوماسية لكبرى دول العالم العاملة داخل الإقليم، وهو ما تفتقده تماماً تجربة الإدارة الذاتية في سوريا.

اليوم، تخضع هذه القوات التاريخية لعمليات إعادة هيكلة وتنظيم شاملة وتوحيد تحت مظلة وزارة البيشمركة الرسمية، وبإشراف ودعم مباشر من شركاء دوليين(مثل الولايات المتحدة، بريطانيا، وألمانيا) لترسيخ طابعها المؤسساتي كجزء أساسي معترف به دستورياً ضمن منظومة الدفاع الوطنية العراقية الكبرى.

تكامل أمني مع بغداد

تقوم الركيزة الثالثة للاستراتيجية الكوردستانية الجديدة، على تحويل العلاقة مع الحكومة الاتحادية في بغداد من مربع الأزمات الدورية إلى مربع الشراكة الأمنية الاستراتيجية لحفظ سيادة البلاد.

وتُرجم هذا التوجه من خلال صياغة اتفاق أمني وعسكري شامل مكون من 17 نقطة أساسية بين بغداد وأربيل ، هذا الاتفاق لم يكن حبراً على ورق، بل يمثل خارطة طريق تنفيذية لسد أي ثغرات قد يحاول الخصوم استغلالها بعد انسحاب التحالف.

وتتجلى حيوية هذا الاتفاق في تفعيل الألوية العسكرية المشتركة التي تُدار مناصفة بين الجيش العراقي وقوات البيشمركة، وبتنسيق مباشر من قيادة العمليات المشتركة في بغداد.

تنتشر هذه الألوية على طول الخطوط والمناطق ذات الاهتمام الأمني المشترك(المناطق المتنازع عليها سابقاً)، وهي المناطق التي ظلت لسنوات تشكل خاصرة رخوة تتسلل منها خلايا” داعش” الإرهابي.

ومن خلال تشغيل مركز التنسيق المشترك في أربيل، بات هناك تدفق استخباري فوري ومستمر بين الجانبين، ممّا يجهض أي تحركات مشبوهة للجماعات المتطرفة أو الفصائل الخارجة عن القانون قبل ولادتها.

تحديات المال والمسيّرات

على الرغم من صياغة هذه الاتفاقات المتطورة، تدرك القيادة في أربيل أن التحدي الحقيقي يكمن في “تلازم المسارين”؛ فالهجوم على الإقليم لم يعد يقتصر على البنادق، بل يتعداه إلى الضغط على لقمة عيش المواطن، في حرب هجينة تجمع بين السلاح والاقتصاد:

1- الضغوط المالية والاقتصادية وسلاح الموازنة: تحاول بعض الأطراف السياسية النافذة في بغداد، تحويل ملف تمويل رواتب موظفي الإقليم ومستحقاته المالية من الموازنة الاتحادية إلى أداة ضغط سياسي مستمرة.

يهدف هذا الأسلوب إلى خلق حالة من عدم الاستقرار المعيشي والاجتماعي داخل الإقليم لإضعاف موقفه التفاوضي.

وفي مواجهة ذلك، تخوض حكومة الإقليم معركة قانونية ودستورية صعبة ، لتثبيت حصة الإقليم وإدراج مستحقات رواتب البيشمركة ضمن موازنة عام 2027 كمستحقات سيادية راسخة وفصلها عن الصراعات والتجاذبات الحزبية.

2- التهديدات الأمنية الميدانية وحرب المسيّرات: يمثل الفراغ الناجم عن انسحاب التحالف فرصة، تسعى لانتهازها فصائل مسلحة غير قانونية وجماعات إقليمية تحاول فرض أمر واقع جديد.

تتجسد هذه التهديدات في استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ لضرب البنى التحتية الاقتصادية الحيوية للإقليم، وتحديداً حقول الغاز والنفط(مثل حقل كورمور)، في محاولة واضحة لتقويض المورد المالي للإقليم وتدمير بيئته الاستثمارية.

وهنا، يطالب الإقليم بغداد بتحمل مسؤوليتها القانونية عبر نشر منظومات دفاع جوي حديثة، وتطوير الدفاع الجوي الاتحادي لحماية أجواء الإقليم التي هي جزء لا يتجزأ من أجواء العراق.

عقيدة بارزاني كخيار استراتيجي

إن إقليم كوردستان العراق، يثبت اليوم أنه يمتلك أوراق قوة حقيقية تجعله عصياً على الانكسار أو التهميش.

فالاندماج والتنسيق الحالي مع بغداد ليس عملية إذابة أو انتقام سياسي كما يروج البعض، بل هو إعادة تموضع دستوري يفرض فيه الإقليم شروطه كشريك أصيل وقوي في الدولة العراقية، مستنداً إلى إرث نضالي وتضحيات جسام لا يمكن القفز فوقها.

وتظل العبارة الحازمة للرئيس، مسعود بارزاني بمثابة عقيدة عمل لـ “كوردستان ما بعد التحالف”، استقرار الإقليم خط أحمر، والدفاع عنه يرتكز على ركيزتين لا تنفصلان؛ قوة البيشمركة وفدائيي الوطن على الأرض لإحباط أي اعتداء ميداني، ومرونة سياسية دستورية في بغداد لضمان حقوق شعب كوردستان وحماية مكتسباته التاريخية.

قد يعجبك ايضا
∧