شــــــــــريف علي
لم يكن إقليم كوردستان نتاجًا للوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، ولن يكون خروج القوات الأمريكية من الإقليم نهايةً لكوردستان أو لمكانتها السياسية والجيوستراتيجية. فكوردستان كانت موجودة قبل الحضور العسكري الأمريكي، وعاصرت مراحل وجوده، وستواصل وجودها بعد انسحابه. وهذه الحقيقة تمثل مدخلًا أساسيًا لفهم التطور الجديد المتمثل في إنهاء الوجود العسكري الأمريكي وقوات التحالف في العراق، بما في ذلك المواقع العسكرية في إقليم كوردستان. فالانسحاب لا ينبغي قراءته بوصفه مجرد حركة للقوات والمعدات من قاعدة إلى أخرى، وإنما في سياق إعادة تشكيل العلاقة الأمنية بين واشنطن وبغداد، وإعادة توزيع الأدوار والمسؤوليات الأمنية في المنطقة .
والأهم أن الانسحاب الحالي يختلف في طبيعته وأسبابه عن الانسحاب الأمريكي الأول من العراق عام 2011. فالانسحاب الأول جاء بعد سنوات من الاحتلال العسكري الذي بدأ عام 2003، وكان إنهاءً لمرحلة ارتبطت بإسقاط نظام صدام حسين وإدارة مرحلة الاحتلال وما رافقها من تمرد وعنف طائفي وصراع سياسي وقانوني وأمني طويل بين واشنطن وبغداد. ولذلك تطلب الوصول إلى صيغة الانسحاب مفاوضات طويلة وترتيبات سياسية وأمنية وقانونية معقدة، لأن القضية كانت تتعلق بإنهاء وجود عسكري ارتبط مباشرة بالحرب والاحتلال .
أما الانسحاب الحالي، فله سياق مختلف بصورة جوهرية. فالولايات المتحدة عادت إلى العراق عام 2014 بناءً على طلب الحكومة العراقية وفي إطار التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، بعد سيطرة التنظيم على مساحات واسعة من الأراضي العراقية وامتداده إلى سوريا. وكانت المهمة الأساسية هي مواجهة التنظيم، وتدمير قدرته على السيطرة على الأراضي، ودعم القوات العراقية والقوات الشريكة حتى تصبح قادرة على تحمل المسؤولية الأمنية بصورة أكبر. وبعد سنوات من العمليات العسكرية، تراجعت الأسباب التي استدعت الوجود العسكري الأمريكي المباشر في العراق بصورة كبيرة، خصوصًا بعد إنهاء سيطرة تنظيم داعش على مساحات واسعة من الأراضي العراقية والسورية، والقضاء على قدرته على الاحتفاظ بكيان إقليمي معلن .
ومن هذا المنطلق، فإن الانسحاب الحالي لا يمثل بالضرورة تراجعًا أمريكيًا عن كوردستان، وإنما انتقالًا من مرحلة كان فيها الوجود العسكري الأمريكي جزءًا مباشرًا من الحرب على تنظيم عابر للحدود إلى مرحلة تتحمل فيها المؤسسات الأمنية العراقية وقوات إقليم كوردستان مسؤولية أكبر عن الأمن داخل مناطقها. كما أن الانسحاب من القواعد أو المواقع في إقليم كوردستان هو جزء من إعادة تشكيل الوجود العسكري الأمريكي في العراق، وليس بالضرورة إعلانًا عن انتهاء العلاقة الأمريكية مع الإقليم .
وهنا تكمن أهمية التمييز بين الوجود العسكري الأمريكي والعلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. فالقواعد العسكرية والقوات الموجودة على الأرض تمثل شكلًا من أشكال العلاقة، لكنها ليست العلاقة كلها. ولذلك فإن انتهاء المهمة العسكرية المباشرة لا يعني بالضرورة انتهاء التعاون الأمني والاستخباري والسياسي والدفاعي، بل يمكن أن يفتح المجال أمام صيغة مختلفة من الشراكة، تقوم على التعاون والمصالح المتبادلة بدل الوجود العسكري المباشر. ومن ثم فإن السؤال الكوردي في المرحلة المقبلة لا ينبغي أن يقتصر على ما إذا كانت القوات الأمريكية ستبقى، وإنما على كيفية الحفاظ على شراكة استراتيجية مع واشنطن والدول الغربية بعد تغير طبيعة الوجود العسكري .
وفي هذا السياق، تبرز قوة إقليم كوردستان الذاتية بوصفها عنصرًا أساسيًا في معادلة الأمن الجديدة. فالبيشمركة ليست قوة نشأت مع وصول القوات الأمريكية، وإنما تمتلك تاريخًا طويلًا من القتال والخبرة العسكرية، وخاضت مواجهات متعددة للدفاع عن المناطق الكوردستانية، وقدمت تضحيات كبيرة في مواجهة التنظيمات المسلحة. وفي الحرب ضد داعش، تطورت خبرتها في مجالات القيادة والتنسيق والاستخبارات والعمليات المشتركة، واستفادت من التعاون العسكري مع التحالف الدولي في تطوير قدراتها. ولذلك فإن مستقبل الأمن الكوردستاني لا يمكن اختزاله في استمرار الوجود العسكري الأمريكي أو غيابه، بل يرتبط بدرجة أكبر بقدرة المؤسسات الكوردستانية على تطوير هذه القوة وتحويل الخبرة المتراكمة إلى منظومة دفاعية مؤسساتية ومستدامة .
ومع ذلك، فإن المخاوف الكوردية من الانسحاب الأمريكي لا يمكن فهمها بمعزل عن الذاكرة التاريخية. فالمجتمع الكوردي عاش تجارب قاسية من القمع والتهجير والقتل الجماعي، بدءًا من سياسات التعريب والتهجير في عهد النظام البعثي، مرورًا بحملات الأنفال عام 1988 والهجمات الكيميائية وتدمير القرى، وصولًا إلى الاعتداءات العسكرية والصاروخية والطائرات المسيّرة التي شهدتها المنطقة في مراحل لاحقة. وقد خلقت هذه التجارب قناعة عميقة بأن غياب الردع الخارجي يمكن أن يجعل المكتسبات السياسية والأمنية عرضة للتهديد، خصوصًا في منطقة لم تستقر فيها بعد معادلات الأمن الإقليمي بصورة نهائية .
ومن هنا اكتسب الوجود الأمريكي في كوردستان، ولا سيما منذ عام 1991 ثم بصورة أوضح بعد عام 2014، أهمية تتجاوز وظيفته العسكرية المباشرة. فقد مثل وجود قوة دولية كبرى عنصر ردع إضافيًا، وساهم في توفير بيئة أمنية أكثر استقرارًا للإقليم، كما ساهم التعاون العسكري في تطوير قدرات البيشمركة. ولذلك فإن القلق الكوردي من الانسحاب لا يرتبط فقط بمغادرة القوات الأمريكية، وإنما بالسؤال الأوسع المتعلق بمنظومة الردع التي ستمنع تكرار التجارب التي تعرض لها الكورد في الماضي .
وقد ازدادت أهمية هذا السؤال مع التطورات الإقليمية الأخيرة، ولا سيما تنامي استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة في الصراعات الإقليمية. وتكشف هذه التطورات أن التهديدات الأمنية الحديثة لم تعد تقتصر على العمليات البرية أو التنظيمات المسلحة التي يمكن مواجهتها بالقوات البرية التقليدية، وإنما أصبحت تشمل وسائل متطورة تتطلب قدرات دفاعية وتقنية متخصصة . ولذلك فإن مرحلة ما بعد الانسحاب تفرض على إقليم كوردستان مجموعة من الأولويات الواضحة: تطوير البيشمركة وتوحيد بنيتها المؤسسية، وتطوير منظومات الدفاع الجوي ومواجهة المسيّرات، والحفاظ على الشراكة الأمنية والسياسية مع الولايات المتحدة والدول الغربية حتى بعد انتهاء الوجود العسكري المباشر .
إن توحيد البيشمركة العملية التي تم الاعلان عنها مؤخرا يمثل في هذا السياق أكثر من مجرد إجراء تنظيمي؛ فهو يتعلق ببناء مؤسسة عسكرية وطنية قادرة على العمل وفق منظومة قيادة واحدة، وتكون مسؤوليتها حماية الإقليم ومؤسساته بعيدًا عن الانقسامات السياسية والحزبية. كما أن تطوير الدفاع الجوي ومواجهة المسيّرات أصبح جزءًا أساسيًا من مفهوم الأمن الحديث، في حين أن استمرار العلاقات مع الولايات المتحدة والدول الغربية يضمن عدم تحول الانسحاب العسكري إلى قطيعة استراتيجية. فالدعم والتعاون والتدريب وتبادل المعلومات والخبرات يمكن أن تستمر بأشكال متعددة حتى في غياب القوات الأجنبية على الأرض.
وتكتسب العلاقة بين أربيل وبغداد أهمية خاصة في هذه المرحلة. فإذا كان إنهاء الوجود العسكري للتحالف جزءًا من إعادة تأكيد السيادة العراقية، فإن هذه السيادة تفرض في المقابل مسؤولية حماية جميع مكونات الدولة ومناطقها. وإقليم كوردستان، بوصفه جزءًا من العراق الاتحادي، لا يمكن فصل أمنه بصورة كاملة عن الأمن العراقي العام، كما أن حماية المجال الجوي والحدود والمناطق المتنازع عليها ومواجهة التهديدات العابرة للحدود تحتاج إلى تنسيق واضح بين المؤسسات الاتحادية ومؤسسات الإقليم. ومن هنا يصبح الانتقال من منطق الشك المتبادل إلى منطق الشراكة الدستورية مصلحة مشتركة، وليس مجرد خيار سياسي .
إن المقارنة بين الانسحابين الأمريكيين تكشف في النهاية عن تحول كبير في طبيعة المرحلة. ففي عام 2011 كان السؤال الأساسي هو كيفية إنهاء وجود عسكري ارتبط بالحرب والاحتلال، ولذلك جاءت المفاوضات الطويلة والترتيبات المعقدة لإنجاز الانسحاب. أما اليوم، فإن القضية تتعلق بانتهاء مهمة عسكرية استندت إلى مواجهة تهديد محدد، بعد أن أصبحت القوات العراقية وقوات البيشمركة أكثر قدرة على تحمل مسؤولياتها الأمنية. وبين المرحلتين تغير العراق، وتغير إقليم كوردستان، وتغيرت طبيعة التهديدات، كما تغيرت طبيعة العلاقة بين واشنطن وبغداد وأربيل.
ولهذا فإن المرحلة الجديدة لا ينبغي أن تُقرأ بمنطق الخوف من غياب الحماية الخارجية، ولا بمنطق الاعتقاد بأن الإقليم أصبح بمنأى عن المخاطر. المطلوب هو الانتقال إلى معادلة أكثر توازنًا تقوم على القوة الذاتية والشراكات الدولية في آن واحد. فإقليم كوردستان يمتلك اليوم خبرة سياسية وأمنية وعسكرية ومؤسساتية تراكمت عبر عقود، وهذه الخبرة يجب أن تتحول إلى قدرة استراتيجية أكثر تنظيمًا، قادرة على التعامل مع التهديدات الجديدة، وفي الوقت نفسه على الحفاظ على شبكة علاقاته الدولية والإقليمية .
إن الانسحاب الأمريكي لا يلغي أهمية الولايات المتحدة بالنسبة إلى أمن المنطقة، ولا يلغي أهمية الشراكة معها بالنسبة إلى إقليم كوردستان، كما أنه لا يلغي حقيقة أن السياسة الدولية تقوم على المصالح المتغيرة. القوى الكبرى تعيد ترتيب وجودها وفق حساباتها، والتحالفات تتغير، والمهام العسكرية تنتهي أو تتبدل، لكن الجغرافيا تبقى، والمصالح تبقى، والقضايا السياسية لا تختفي بانسحاب قوة عسكرية .
ومن هنا فإن القراءة الأكثر واقعية للمرحلة الجديدة هي أن كوردستان لا تبدأ تاريخها مع الوجود الأمريكي ولا ينتهي تاريخها بانسحابه. لقد استطاعت أن تحافظ على وجودها السياسي والقومي في ظروف أكثر قسوة، واستفادت خلال مراحل مختلفة من علاقاتها الدولية، ومن بينها العلاقة مع الولايات المتحدة، وطورت في الوقت نفسه قدراتها الذاتية. والتحدي المقبل هو أن تحول هذه التجربة إلى منظومة أكثر قوة ومؤسساتية، بحيث تصبح الشراكات الخارجية مصدر دعم إضافي، لا شرطًا لوجودها .
وعليه، فإن الانسحاب الأمريكي من إقليم كوردستان لا ينبغي أن يُفهم باعتباره نهاية فصل، بل بداية اختبار جديد لقدرة الإقليم على حماية مكتسباته وإدارة أمنه وعلاقاته في بيئة إقليمية متغيرة. فالوجود الأمريكي وفر في مراحل معينة مظلة أمنية وسياسية مهمة، وساهم في تطوير قدرات البيشمركة، لكن مستقبل كوردستان لا يمكن أن يبنى على وجود قوة أجنبية وحدها، كما لا يمكن أن يقوم على الانعزال عن المجتمع الدولي. المعادلة الأكثر استدامة هي الجمع بين القوة الذاتية، والمؤسسات القوية، والشراكات الدولية، والعلاقة المتوازنة مع بغداد .
وفي النهاية، فإن الانسحاب الأمريكي لا ينبغي أن يُقاس بعدد الجنود الذين غادروا، وإنما بقدرة كوردستان على حماية ما راكمته من قوة ومؤسسات وعلاقات دولية بعد مغادرتهم. فالقوات الأمريكية قد تغادر القواعد، لكن كوردستان تبقى في جغرافيتها، وفي تاريخها، وفي موقعها الاستراتيجي بين العراق وتركيا وإيران وسوريا
وهذه الجغرافيا نفسها تجعلها حقيقة سياسية وأمنية لا يمكن تجاوزها، سواء كانت القوات الأمريكية في أربيل أم غادرتها.