حين لا ينفعنا التاريخ

مظفر العقابي
القاهرة

أفرزت لنا خليجي الديار العربية 27 أكثر مما أفرزته النتائج والأرقام… كشفت لنا أشياء كانت تختبئ طويلاً خلف ستائر التاريخ، وتنتظر لحظة الحقيقة كي تقول لنا: لقد تأخرنا كثيراً!
كانت مباراة السعودية صفعةً كرويةً لا ينبغي أن نغضب منها، بل أن نصحو على وجعها. ظهر المنتخب السعودي مكتمل الخطوط، لائقاً، سريعاً، رشيقاً، ماهراً، منظماً، ومصراً على الفوز، رغم تأهله المبكر… بينما عجز منتخبنا عن مجاراته، وكأن الفارق بين المنتخبين لم يكن في تسعين دقيقة، بل في سنوات من العمل والتخطيط والاستثمار.
ولعل أقسى ما في المشهد أننا ظللنا طويلاً نعيش على ذاكرة الأمجاد، متعكزين على تاريخٍ عظيم، فيما كانت كرة القدم من حولنا تركض إلى المستقبل.
لقد أهملنا القاعدة… الفئات العمرية التي هي رحم كرة القدم ومصنع نجومها. أنديتنا أصبحت تبحث عن اللاعب الجاهز، والمدرب الجاهز، والحل السريع، حتى نضبت منابع المواهب، وإن ظهر موهوبٌ هنا أو هناك، كثيراً ما تاه في الطريق لغياب الرعاية والتطوير والتثقيف الرياضي، وقلة الكفاءات والأكاديميات والبنى التحتية القادرة على صناعة اللاعب لا مجرد اكتشافه.
وهنا تبدأ مسؤولية الاتحاد العراقي لكرة القدم.
نحتاج إلى وقفة شجاعة، لا قرارات انفعالية. نحتاج إلى مشروع يمتد لسنوات، يشرف فيه الاتحاد فنياً وبدنياً ولوجستياً على تطوير الأندية والفئات العمرية، لأن المنتخب القوي لا يُصنع في المعسكرات… بل يُصنع في الأندية، وفي ملاعب الناشئين، وفي أكاديميات تعمل بعلمٍ ومنهج.
علينا أن نتوقف عن سؤال: متى نعود؟
ونبدأ بالسؤال الأهم: كيف نبني؟
قد تكون جدة قد أوجعتنا… لكنها تستطيع أن تمنحنا شيئاً أثمن من الانتصار: بداية صحوة.
فلنأخذ الوقت الذي نحتاجه، ولنعمل بصبرٍ يشبه إيمان العراقيين بأنفسهم.
فالعراق لم يفقد موهبته…
إنما فقد الطريق إليها.
وحين نستعيد الطريق، سنستعيد الحلم.
وحين نصنع كرة قدم حقيقية في أنديتنا، سيعود أسود الرافدين إلى مكانهم الذي يليق بتاريخ العراق… لا متكئين على الماضي، بل صانعين للمستقبل.

قد يعجبك ايضا
∧