الصحفي والمحامي عرفان الداوودي
«سبع سنوات لعلبة كلينكس؟ وماذا عن مليارات المال العام؟
أين موقف نقابة المحامين والقانونيين من عدالة الأحكام وحماية المال العام؟
هناك سؤال لم يعد من الممكن تأجيله، ولا يجوز للقانونيين والحقوقيين أن يمروا عليه مرور الكرام:
هل يشعر المواطن العراقي بأن العدالة واحدة على الجميع؟
السؤال ليس موجهاً إلى قاضٍ بعينه، ولا يستهدف شخصاً بعينه، وإنما هو سؤال إلى منظومة العدالة بأكملها: إلى المشرّع، والمحامي، والادعاء العام، والجهات الرقابية، وإلى كل مؤسسة يفترض أن يكون المال العام في مقدمة واجباتها.
فالعراقي البسيط عندما يرتكب جريمة سرقة، مهما كان مقدارها، يواجه سيف القانون بكل ثقله. أما عندما تكون القضية مرتبطة بأموال عامة ضخمة أو بشخصية سياسية أو إدارية نافذة، فإن المواطن يسأل: هل العقوبة والإجراءات والمعايير واحدة فعلاً؟
هذه ليست دعوة إلى الانتقام، ولا إلى إصدار الأحكام في الشارع، وإنما دعوة صريحة إلى عدالة قانونية لا تعرف الفقير ولا الغني، ولا المسؤول ولا المواطن.
المال العام ليس مالاً بلا صاحب
المال العام ملك للشعب، والاعتداء عليه ليس جريمة مالية عابرة؛ لأنه يمس المدرسة والمستشفى والشارع والكهرباء والدواء ورواتب الموظفين ومستقبل الأجيال.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾
وقال سبحانه:
{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا }
فكيف يمكن أن نتحدث عن دولة القانون إذا أصبح الاعتداء على المال العام قضية قابلة للتسويات السياسية أو الاجتماعية أو الإعلامية، بينما يبقى المواطن البسيط تحت وطأة العقوبة الكاملة؟
أين نقابة المحامين؟
هنا أطرح سؤالاً مشروعاً على نقابة المحامين العراقيين، وعلى الحقوقيين وأساتذة القانون والمختصين:
أين الصوت القانوني عندما يشعر الرأي العام بأن بعض الأحكام أو الإجراءات لا تحقق التناسب الذي ينتظره المجتمع؟
المحامي ليس موظفاً عند السلطة، وليس خصماً للقضاء، وإنما هو أحد أعمدة العدالة. ومن واجبه الدفاع عن حقوق موكله، وفي الوقت نفسه الدفاع عن سيادة القانون وضمان المحاكمة العادلة.
ولذلك فإن المطلوب ليس أن تتدخل النقابة في أحكام القضاء أو أن تحل محل المحكمة، وإنما أن تفتح نقاشاً قانونياً ومهنياً علنياً حول العقوبات المقررة لجرائم اختلاس المال العام، وحول التناسب بين جسامة الجريمة وحجم الضرر الواقع على الدولة والمجتمع.
نور زهير وملفات الفساد ليست قضية عابرة
في قضية الأمانات الضريبية المعروفة إعلامياً بـ«سرقة القرن»، أعلنت وكالة الأنباء العراقية في تموز 2026 أن القضاء أصدر حكماً غيابياً بحق نور زهير بالسجن 10 سنوات، مع إجراءات لملاحقته واسترداد الأموال، وأكدت المصادر الرسمية عدم شموله بالعفو العام لعدم استكمال استرداد الأموال محل الجريمة.
وفي الوقت نفسه، أعلنت هيئة النزاهة الاتحادية أن عام 2025 شهد صدور 370 حكماً بالإدانة مكتسباً الدرجة القطعية، فضلاً عن مئات الأحكام غير المكتسبة الدرجة القطعية، وهو ما يدل على أن ملف الفساد أمام القضاء واسع ومعقد، وليس محصوراً في قضية واحدة.
أما الأسماء التي ترد في التحقيقات أو الأخبار، ومنها شخصيات سياسية ومسؤولون، فيجب أن تبقى مرتبطة بما صدر بحق كل شخص من قرارات قضائية وأدلة وأحكام نهائية، لا بمجرد الاتهام الإعلامي. فقد نشرت وكالة الأنباء العراقية أسماء شخصيات، من بينها عالية نصيف وهند العباسي، ضمن متهمين أُلقي القبض عليهم أو جرى التحقيق معهم في ملف فساد، لكن الاتهام لا يساوي الإدانة القضائية.
وهذه قاعدة يجب أن نحترمها جميعاً.
لماذا يكون القانون شديداً على الضعيف؟
المواطن لا يريد عدالة انتقائية.
لا يريد أن يرى إنساناً بسيطاً يدفع ثمناً باهظاً بسبب سرقة بسيطة، ثم يسمع عن ملفات بمليارات الدنانير وتستمر إجراءاتها سنوات طويلة.
ولا يريد أن تتحول الكفالة في الوعي الشعبي إلى امتياز للأقوياء.
والحقيقة القانونية أن الكفالة ليست حكماً بالبراءة، وهي إجراء قضائي يخضع للقانون وتقدير الجهة القضائية المختصة؛ وقد أوضح القضاء العراقي سابقاً أن إطلاق السراح بكفالة من صلاحيات قاضي التحقيق ويخضع لرقابة المحاكم الأعلى.
لكن السؤال الأخلاقي والسياسي الذي يهم المواطن يبقى قائماً:
هل يشعر المواطن أن الإجراءات القضائية تطبق عليه وعلى أصحاب النفوذ بالمعيار نفسه؟
لا نريد قضاءً شعبوياً… ولا نريد حماية للفاسد
نحن لا نريد محاكمة عبر فيسبوك، ولا نريد أن يحل الغضب الشعبي محل المحكمة.
لكننا في الوقت نفسه لا نريد أن تتحول الحصانة السياسية أو النفوذ أو القدرة المالية إلى جدار يحول دون الوصول إلى الحقيقة واسترداد المال العام.
القضاء المستقل هو صمام الأمان.
والمحامي الحر هو حصن المواطن.
والصحافة المهنية هي عين المجتمع.
والنزاهة هي السلاح القانوني ضد الفساد.
وعندما تتكامل هذه المؤسسات، لا يستطيع سارق المال العام أن يختبئ خلف منصب أو حزب أو نفوذ.
وهل العقوبة كافية إذا لم تعد الأموال؟
هذه هي القضية الأخطر.
ليس كافياً أن نعلن عن حكم بالسجن ثم ننسى السؤال الأكبر:
أين ذهبت الأموال؟
كم استُرد منها؟
أين الأموال المنقولة؟
أين العقارات؟
أين الحسابات؟
أين الأموال الموجودة خارج العراق؟
ومن استفاد منها؟
هيئة النزاهة أعلنت أن لديها ملفات لاسترداد الأموال المهربة وملفات لاسترداد المطلوبين، كما أعلنت عن مبالغ مستردة وإجراءات متعددة في هذا المجال.
وهنا يجب أن يكون معيار النجاح واضحاً:
ليس عدد المؤتمرات الصحفية، وإنما مقدار المال العام الذي عاد إلى خزينة الدولة.
العقوبة يجب أن تكون وفق القانون… ولكن القانون يجب أن يكون رادعاً
أما الدعوات إلى إعدام كل من يعتدي على المال العام، فلا يجوز تحويلها إلى أحكام صحفية أو شعبية؛ لأن العقوبات لا تُحدد بالرغبة أو الغضب، وإنما بالنصوص النافذة وبالضمانات الدستورية والقضائية.
لكن من حق المجتمع أن يطالب المشرّع بمراجعة التشريعات إذا ثبت أن العقوبات لا تحقق الردع الكافي، وأن يطالب بتشديد العقوبات في الجرائم الكبرى وفق الدستور والقانون، وبمصادرة واسترداد الأموال غير المشروعة، وبمنع الإفلات من العقاب.
فالقرآن الكريم يقول:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
هذه الآية تختصر جوهر القضية:
نريد عقوبة رادعة، ولكن نريدها عادلة.
نريد محاسبة صارمة، ولكن وفق القانون.
نريد استرداد المال العام، ولكن بحكم قضائي.
نريد دولة قوية، لا دولة انتقام.
رسالة إلى نقابة المحامين
يا نقابة المحامين العراقيين…
لسنا نطلب منكم إصدار أحكام بدلاً من القضاء.
ولا نطلب منكم الدفاع عن متهم لأنه غني أو مسؤول، ولا إدانته لأنه فقير أو ضعيف.
بل نطلب شيئاً واحداً:
أن يكون صوتكم عالياً عندما يتعلق الأمر بسيادة القانون واستقلال القضاء وتكافؤ المواطنين أمام العدالة وحماية المال العام.
فإذا كان هناك خلل تشريعي، قولوا ذلك.
وإذا كان هناك قصور في تطبيق القانون، ناقشوه.
وإذا كانت العقوبات لا تتناسب مع بعض جرائم الفساد الكبرى، طالبوا المشرّع بمراجعة التشريع.
وإذا كان هناك تجاوز على حقوق المتهمين، دافعوا عنهم بالقانون.
وإذا كان هناك اعتداء على المال العام، فكونوا في مقدمة المطالبين باسترداده.
هذه هي مهنة المحاماة عندما تكون رسالة، وليست مجرد مرافعة.
والساكت عن الحق؟
يقال كثيراً: «الساكت عن الحق شيطان أخرس»، لكن هذه العبارة ليست حديثاً نبوياً ثابتاً عن النبي ﷺ، ولذلك لا يصح نسبتها إليه.
أما الحديث الصحيح الذي يضع المسؤولية الأخلاقية بوضوح فهو قول النبي ﷺ:
«مَن رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه…»
والكلمة هنا مهمة:
التغيير باللسان لا يعني التشهير أو إصدار الأحكام على الناس، وإنما يعني قول الحق وفق العلم والقانون.
العراق لا يحتاج إلى شعارات جديدة… بل إلى عدالة يراها المواطن
العراقي لا يريد أن يسمع كل يوم عن مكافحة الفساد فقط.
يريد أن يرى:
مالاً عاماً يُسترد.
وعقوداً تُدقق.
ومتهمين يحاكمون وفق القانون.
وأحكاماً تنفذ.
ومحاكمات عادلة.
ومسؤولاً لا يحتمي بمنصبه.
ومواطناً فقيراً لا يشعر أن القانون خُلق له وحده.
الدولة التي يكون فيها القانون واحداً على الجميع، هي دولة محترمة.
أما إذا شعر المواطن أن الفقير يواجه القانون وحده، وأن صاحب النفوذ يستطيع شراء الوقت أو الاحتماء بالعلاقات، فهنا لا تكون المشكلة في العقوبة وحدها، بل في الثقة بالدولة نفسها.
والمال العام أمانة.
ومن خان الأمانة، إن ثبتت إدانته بحكم قضائي بات، فعليه أن يتحمل كامل المسؤولية القانونية، وأن تسترد الدولة أموالها وحقوقها.
لا أحد فوق القانون… ولا أحد تحت القانون.
وهذه ليست معادلة سياسية.
إنها أبسط قاعدة في العدالة:
القانون واحد… والمال العام خط أحمر… والعدالة لا تعرف فقيراً ولا غنياً .