كمال عبيد
يطرح المقال تساؤلاً فلسفياً وأخلاقياً عميقاً حولاتجاه التقدم الإنساني في عصر الذكاءالاصطناعي والتطور التقني المتسارع. ويؤكد أنالمستقبل الحقيقي لا يُقاس فقط بالأدوات المتطورةوالرفاه المادي والسرعة، بل بالقيم والأخلاق التيتحافظ على إنسانية الإنسان، داعياً إلى تحقيقتوازن متكامل بين التخطيط المادي والنزاهة الداخليةوالمسؤولية الأخلاقية تجاه الفرد والمجتمع…
يستيقظ شاب كل صباح، يفتح هاتفه، يتنقل بينأخبار الذكاء الاصطناعي، والسيارات ذاتية القيادة،والمدن الذكية، والرحلات الفضائية، ثم يضع الهاتفجانبًا ويعود إلى يومه المعتاد. وسط هذا السيل منالصور القادمة من الغد، قد يخطر له سؤال بسيطيحتاج إلى تأمل طويل: إذا كان العالم يعرف كيفيصنع المستقبل بهذه السرعة، فهل يعرف فعلًا أيمستقبل يريد؟ وهل يكفي أن تصبح الحياة أكثرسرعة وثراءً وتقنية حتى تصبح أكثر إنسانية؟
هنا تبدأ المسألة الحقيقية؛ فالمستقبل الذي يستحقأن نطمح إليه لا يُقاس بما نمتلكه من أدوات فقط،وإنما بما نريد أن يكون عليه الإنسان عندما تصلهذه الأدوات إلى أقصى قدراتها.
لقد اعتاد الإنسان أن يتعامل مع المستقبل بوصفهمنطقة مجهولة تنتظر الاكتشاف، ثم تطورت قدرتهعلى التنبؤ حتى أصبحت البيانات والنماذجالرياضية والذكاء الاصطناعي تساعده على قراءةاحتمالات كثيرة قبل وقوعها. تستطيع الخوارزمياتاليوم تحليل حركة الأسواق، وتوقع بعض السلوكيات،ورصد تغيرات المناخ، واستشراف اتجاهاتاقتصادية واجتماعية واسعة. ومع ذلك تبقى هناكمساحة أعمق من المستقبل لا تستطيع الأرقام وحدهاأن تحسمها، وهي المساحة المتعلقة بالسؤال: ماذانريد أن نصبح؟ فمعرفة ما قد يحدث شيء، واختيارما ينبغي أن يحدث شيء آخر.
ومن هنا يصبح المستقبل قضية أخلاقية قبل أن يكونقضية تقنية. فقد تنجح المجتمعات في إنتاج ثرواتهائلة، وتطوير آلات أكثر ذكاءً، واختصار المسافات،وإطالة متوسط العمر، ثم تجد نفسها أمام إنسانأكثر وحدةً وقلقًا وفقدانًا للمعنى. وقد تتحول المعرفةالمتقدمة إلى قوة احتكار، وتتحول التقنية إلى وسيلةللسيطرة على الإنسان بدل تحريره، وتصبح وفرةالأشياء مصحوبة بفقر في العلاقات والقيم.
لذلك فإن السؤال الأكثر إلحاحًا في عصرنا لا يتعلقفقط بما ستنتجه التكنولوجيا، وإنما بما ستفعله هذهالتكنولوجيا بالإنسان، وكيف ستعيد تشكيلاختياراته وعلاقاته وأفكاره وصورته عن الحياة.
في هذا السياق تكتسب المقولة المتداولة: «اعمللدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموتغداً» دلالة تتجاوز معناها الوعظي المباشر، فهيتقدم تصورًا متوازنًا للزمن الإنساني؛ عمل طويلالنفس تجاه الدنيا، ومسؤولية عميقة تجاه المصيروالمعنى. حين يعمل الإنسان لدنياه كأنه يعيش أبدًا،فإنه يتعامل مع الحياة بمنطق البناء والتخطيطوالتراكم، فيتعلم ويزرع ويؤسس ويعلّم ويترك أثرًايمكن أن ينتفع به الآخرون بعده. وحين يعمل لآخرتهكأنه يموت غدًا، فإنه يستعيد حس المسؤولية تجاهأفعاله، ويدرك أن قيمة الإنجاز لا تنفصل عن الطريقةالتي تحقق بها.
وهذا التوازن يغيّر نظرتنا إلى المستقبل. فالإنسانالذي يفكر في الغد بمنطق مادي خالص قد يسأل: كم سأملك؟ وما مقدار ما سأحقق؟ وما الموقع الذيسأصل إليه؟ بينما يفتح البعد القيمي أسئلة أكثرعمقًا: ماذا سأضيف؟ ومن سيستفيد من عملي؟ وماالذي سيبقى مني بعد أن تنتهي قدرتي على العمل؟وهل سيكون الأثر الذي أتركه في الناس موازيًا لماأتركه من ممتلكات ومشروعات وشهادات؟ بهذهالأسئلة يتحول المستقبل من جدول زمني قادم إلىمسؤولية أخلاقية تبدأ من اللحظة الراهنة.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يخططلمستقبله المهني والمادي بعناية، ثم يترك مستقبلهالداخلي للصدفة. قد يضع خطة للوظيفة، وخطةللاستثمار، وخطة للتعليم، وربما خطة للسفروالسكن، فيما تبقى علاقته بأسرته وضميره وصحتهالنفسية وقيمه الإنسانية خارج دائرة التخطيط. وبعدسنوات قد يكتشف أنه نجح في بناء حياة واسعة منالخارج، بينما ضاقت حياته من الداخل. المستقبلالحقيقي يحتاج إلى بناء الإنسان بالتوازي مع بناءالظروف التي يعيش فيها.
وتتضاعف أهمية هذا السؤال في زمن أصبحت فيهالتكنولوجيا شريكًا في تشكيل القرارات اليومية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقترح علينا مانقرأه، وما نشاهده، وما نشتريه، وربما ما ينبغي أننتعلمه أو نعمله. ومع اتساع هذه القدرات، تزدادالحاجة إلى إنسان يمتلك وعيًا أخلاقيًا يستطيع أنيسأل عن حدود الاستخدام، وعن أثر القرار، وعنالمسؤولية التي تقع خلف الشاشة. فالتقدم التقنيمن دون نضج قيمي قد يجعل الإنسان أكثر قدرةعلى الفعل، من دون أن يجعله أكثر حكمة في اختيارما يفعل.
ولهذا فإن صناعة المستقبل تبدأ من التربية التيتمنح الإنسان القدرة على الجمع بين الطموحوالضمير. الطفل الذي يتعلم أن النجاح لا يعنيالتفوق على الآخرين فقط، وأن المعرفة مسؤولية، وأنالمال وسيلة للعمران، وأن القوة تقترن بالرحمة، ينشأوهو يحمل تصورًا مختلفًا للحياة. والطالب الذييتعلم التفكير النقدي واحترام الاختلاف والبحث عنالحقيقة يصبح أكثر استعدادًا لعالم سريع التحول. والموظف الذي يرى عمله أمانة اجتماعية، وصاحبالمشروع الذي يربط الربح بالقيمة، والمعلم الذي يرىأثره في الأجيال، جميعهم يشاركون بطريقة مباشرةفي بناء المستقبل.
والمجتمعات التي تريد مستقبلًا أكثر استقرارًا تحتاجإلى أن تنظر إلى القيم بوصفها جزءًا من بنيتهاالتحتية. فالطرق والمصانع والجامعات والمنظوماتالرقمية تحتاج إلى منظومة ثقة وعدالة ومسؤوليةتحميها من التحول إلى أدوات للفوضى أوالاستغلال.
وحين تتراجع الأمانة، يصبح القانون أقل قدرة علىحماية المجتمع، وحين تضعف الثقة تتضخم الحاجةإلى الرقابة، وحين يتراجع الشعور بالمسؤولية يصبحالإنجاز الفردي منفصلًا عن المصلحة العامة. لذلكفإن الاستثمار في الصدق والنزاهة والانضباطوالتعاون ليس عملًا مثاليًا بعيدًا عن الاقتصادوالتنمية، وإنما هو استثمار مباشر في قدرة المجتمععلى الاستمرار.
ومن زاوية أخرى، يحمل سؤال المستقبل معنىخاصًا للمجتمعات التي تسعى إلى تجاوز أزماتطويلة من التعثر والتراجع. فالتغيير يحتاج إلى أكثرمن مشروعات عمرانية وأرقام اقتصادية؛ يحتاج إلىتغيير في طريقة التفكير في الوقت والعمل والعلموالموارد العامة. المجتمع الذي يربي أبناءه علىانتظار الحلول من الآخرين يكرر أزماته، والمجتمعالذي يجعل المبادرة قيمة يومية يخلق فرصًا جديدةحتى في الظروف الصعبة. وهنا يصبح المستقبلنتيجة طبيعية لعادات صغيرة تتكرر كل يوم، أكثرمما يكون قفزة مفاجئة تحدث في لحظة واحدة.
ولذلك فإن العبارة التي تقول إن المستقبل يصنعاليوم تحمل معنى عمليًا شديد الوضوح. طريقةتعاملنا مع الوقت اليوم ستحدد علاقتنا بالوقت غدًا،وطريقة تعاملنا مع العلم ستحدد مستوى معرفتنالاحقًا، وطريقة تعاملنا مع المال ستكشف شكلاقتصادنا القادم، وطريقة تعاملنا مع الإنسانستحدد طبيعة المجتمع الذي سيعيش فيه أبناؤنا.
حتى التفاصيل التي تبدو شخصية، مثل الالتزامبالوعد، وإتقان العمل، واحترام المواعيد، والاعتذارعن الخطأ، ومساعدة المحتاج، وحفظ حقوقالآخرين، تشارك في صناعة المناخ الأخلاقي الذييتشكل فيه المستقبل.
وقد يكون أجمل ما في التفكير بالمستقبل أن يمنحالإنسان فرصة لمراجعة الحاضر. فحين نسأل: أيمستقبل نريد؟ نكتشف أننا نسأل في الوقت نفسه: أي إنسان نريد أن نكون؟ وأي مجتمع نريد أن نتركهلمن يأتي بعدنا؟ وأي قيم تستحق أن تبقى حاضرةعندما تتغير الأدوات والوظائف والوسائل؟ فالأجهزةتتبدل، والمهن تتغير، والأسواق تعيد تشكيل نفسها،أما حاجة الإنسان إلى العدل والرحمة والكرامةوالأمان والمعنى فتظل من أكثر الحقائق ثباتًا فيتجربته.
ومن هنا يمكن فهم العمل للدنيا والعمل للآخرةبوصفهما مسارين متكاملين في بناء الإنسان. فالدنيا تحتاج إلى العلم والإنتاج والإعماروالتخطيط، والآخرة تحتاج إلى الضمير والعملالصالح وحفظ الحقوق وإصلاح العلاقة مع اللهوالناس. وعندما يلتقي المساران يصبح الإنجاز أكثراتزانًا؛ فالطبيب يطور معرفته ليحفظ حياة الإنسان،والمهندس يبني ليجعل الحياة أكثر أمانًا، والباحثيكتشف ليضيف إلى المعرفة، والتاجر يربح من طريقمشروع يحفظ حقوق الناس، والمسؤول يمارسسلطته بوصفها أمانة لا امتيازًا.
المستقبل الذي نريده، إذن، يحتاج إلى رؤية تتجاوزسؤال الرفاه إلى سؤال الكرامة، وتتجاوز سؤال القوةإلى سؤال المسؤولية، وتتجاوز سؤال السرعة إلىسؤال الاتجاه. فما فائدة أن نصل بسرعة إذا كنانسير في الطريق الخطأ؟ وما قيمة أن تتضاعفقدراتنا إذا لم تتضاعف معها قدرتنا على ضبطها؟وما معنى أن يمتلك الإنسان أدوات تغير العالم وهوعاجز عن تغيير سلوك يضر به وبمن حوله؟
ربما لا نستطيع معرفة تفاصيل المستقبل، ولا نملكالسيطرة على كل ما سيأتي به الزمن، لكننا نملكمساحة واسعة في تحديد نوع الإنسان الذيسندخله إلى ذلك المستقبل. نستطيع أن نبدأ منعاداتنا اليومية: أن نتعلم شيئًا جديدًا، وأن ننجزأعمالنا بإتقان، وأن نستخدم التقنية بوعي، وأننراجع قراراتنا قبل اتخاذها، وأن نحفظ حقوقالآخرين، وأن نترك وقتًا للأسرة، وأن نساعد منيحتاج إلينا، وأن نسأل أنفسنا في نهاية كل يوم: ماالشيء الذي أضفته اليوم إلى حياتي وحياةالآخرين؟
عندها يصبح المستقبل مشروعًا يبدأ من السلوك، لاحلمًا مؤجلًا إلى زمن مجهول. وكل إنسان يستطيعأن يضع لبنة فيه من موقعه، لأن المستقبل لا يصلإلى الناس مكتملًا؛ نحن الذين ندخله يومًا بعد يومبما تعلمناه، وما اخترناه، وما تركناه وراءنا. ولهذاربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن يرافقنا فيهذا العصر: أيُّ مستقبلٍ نريد؟ ثم يأتي السؤالالأكثر مسؤولية بعده: ماذا نفعل اليوم حتى يستحقذلك المستقبل أن نعيش فيه؟