منير الزيرجاوي
في محجرٍ للحجارة جنوب شرق سيراليون، تقف “أداما” ذات الاثني عشر ربيعاً، تكسر الصخور الكبيرة إلى حصى يُباع لمقاولي البناء. تقول بصوتٍ خافت: “لستُ سعيدة لأنني أعمل هنا بينما أصدقائي في المدرسة”. تعمل أداما منذ خمس سنوات، تحلم بأن تصبح معلمة يوماً، لكن دخل أسرتها اليومي لا يتجاوز دولارين، بالكاد يكفي لوجبة واحدة. أداما ليست حالة معزولة، بل هي واحدة من 138 مليون طفل حول العالم ما زالوا منخرطين في عمالة الأطفال، بينهم حوالي 54 مليون طفل يمارسون أعمالاً خطيرة تهدد صحتهم وسلامتهم ونموهم .
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات باردة. إنها قصص أطفالٍ تُسرق طفولتهم، ويُحرمون من حقهم في التعليم واللعب والراحة، ويُدفعون إلى سوق العمل قبل أن تنضج أجسادهم وعقولهم. وعمالة الأطفال ليست ظاهرة عابرة، بل هي انتهاك صارخ لحقوق الإنسان بكل معنى الكلمة. فحين يُجبر طفل على العمل في ظروفٍ خطرة، فإننا لا نتحدث عن مجرد خرقٍ قانوني، بل عن اغتصابٍ لحقّه في الحياة الكريمة، وحقّه في النمو، وحقّه في أن يكون طفلاً .
لكن لماذا تستمر هذه الظاهرة رغم كل الجهود الدولية؟ الإجابة تكمن في الفقر، ذلك العدو القديم الذي يظل السبب الجذري الأكثر تأثيراً. فحين تواجه الأسر ضغوطاً اقتصادية، أو انقطاعاً في الدخل، أو مرضاً مفاجئاً لمعيلها، أو فقداناً لوظيفة المصدر الرئيسي للدخل، تجد في تشغيل أطفالها وسيلةً للبقاء. وتشير الدراسات إلى أن ارتفاع الفقر بنقطة مئوية واحدة يؤدي إلى زيادة عمالة الأطفال بنسبة 0.7 نقطة مئوية على الأقل. وهكذا يصبح الفقر وعمالة الأطفال توأمين ملعونين: الفقر يدفع الطفل إلى العمل، والعمل يحرمه من التعليم، فيبقى فقيراً طوال حياته، وينقل فقره إلى أبنائه.
وإلى جانب الفقر، تلعب النزاعات والكوارث المناخية دوراً مدمراً. في ميانمار، على سبيل المثال، أدّى تصاعد العنف والانهيار الاقتصادي إلى زيادة عمالة الأطفال، حيث يدخل أطفال لا تتجاوز أعمارهم الثامنة سوق العمل، ويعملون في ظروفٍ خطرة تشمل رشّ المبيدات دون معدات واقية، وحمل أحمال ثقيلة، وتشغيل آلات خطيرة. وتتحول عمالة الأطفال في مثل هذه السياقات إلى “استراتيجية بقاء” للأسر، مما يعمّق مخاطر سوء التغذية والحرمان ويجعل الظاهرة أكثر تطبيعا .
والأمر لا يتوقف عند هذا الحد. عمالة الأطفال ليست مجرد نتيجة للفقر، بل هي أيضاً سبب له. فالطفل الذي يعمل يُحرم من التعليم، وإذا لم يتعلم القراءة والكتابة والحساب، تصبح فرصه في الحصول على مهارات سوقية ضئيلة، ويبقى محصوراً في فقرٍ متوارث. تقول منظمة اليونيسف إن عمالة الأطفال “تُقصي الأطفال من التعليم والرعاية الصحية، وتقيّد حقوقهم الأساسية”، وتصفها بأنها “حلقة من الحرمان تمتد عبر الأجيال ” .
أمام هذا الواقع، كيف يمكن مواجهة هذه الظاهرة؟ الإجابة ليست بسيطة، لكنها تبدأ بالاعتراف بأن عمالة الأطفال لا يمكن معالجتها بمعزلٍ عن سياقها. فالأسر تحتاج إلى عملٍ كريم وسبل عيشٍ مستدامة، والأطفال يحتاجون إلى تعليمٍ آمن وجيد، والمجتمعات تحتاج إلى أنظمة حمايةٍ قوية تحدد الأطفال المعرضين للخطر وتحميهم. وهذا يعني أن مكافحة عمالة الأطفال تتطلب تدخلاً متكاملاً: تعزيز الحماية الاجتماعية للأسر، وإتاحة التعليم المجاني والإلزامي، وتوفير فرص العمل اللائق للبالغين، وإنفاذ القوانين التي تحظر تشغيل الأطفال .
وقد دعت منظمة العمل الدولية إلى التصديق الكامل على الاتفاقيتين رقم 138 بشأن الحد الأدنى لسن الاستخدام، ورقم 182 بشأن حظر أسوأ أشكال عمل الأطفال. لكن التصديق وحده لا يكفي. فكما قال المقرر الخاص المعني بأشكال الرق المعاصرة: “التصديق العالمي إنجاز، لكن بدون تنفيذ فعّال، يبقى مجرد رمز”. التنفيذ الفعّال يعني أن تتحول الاتفاقيات إلى قوانين وطنية مطبقة، وأن تُنشأ آليات رقابة حقيقية، وأن تُخصص الموارد الكافية لحماية الأطفال .
وفي نهاية المطاف، عمالة الأطفال ليست قدراً محتوماً، بل هي نتيجة لخيارات سياسية واقتصادية واجتماعية. فالعالم شهد تراجعاً في عمالة الأطفال بنسبة تقارب 50% منذ عام 2000، من 246 مليون طفل إلى 138 مليوناً، مما يثبت أن التقدم ممكن. لكن هذا التقدم ليس كافياً، ولا يزال بطيئاً. والسؤال الذي يفرض نفسه: كم طفلاً آخر سينتظر حتى يُنقذ؟ كم أداما أخرى ستكسر الصخور قبل أن تعود إلى مقاعد الدراسة؟ الإجابة ليست في الأرقام، بل في الإرادة. فحين نقرر أن الطفولة ليست سلعة، وأن الكرامة ليست ترفاً، سنبدأ فعلاً في بناء عالمٍ لا يُسرق فيه الأطفال .