رؤية البيشمركة لنهاية المعادلات القديمة للشرق الأوسط

كرميان صلاح الدين

في الظروف الراهنة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط، وإلى جانب الصراعات الاقتصادية، وهيمنة النفوذ الجيواقتصادي، والجيوسياسي، والعسكري، يتعين علينا قراءة الجانب الآخر من المشهد الواسع؛ والمتمثل في كيفية وصولنا إلى هذه الحالة كنتيجة حتمية للمعادلات القديمة التي ارساها الاستعمار البريطاني. وفي الوقت الحالي، تشهد تلك المعادلات القديمة، إلى جانب الأبعاد الناشئة عنها والتي أفرزت أنظمة وآليات لدول ومجتمعات مصطنعة، نهايتها الحتمية.

ويتمثل هذا المخاض في تفكيك مجمل المجتمعات المُهجنة، ليبدأ مسار التصدع انطلاقاً من اليمن والعراق وسوريا وليبيا. ويأتي هذا التحول على إثر إغلاق ثاني مضيق استراتيجي عالمي (باب المندب)، والتعذر في العودة إلى طريق التجارة البديل المار برأس الرجاء الصالح جنوب القارة الأفريقية؛ نظراً لما يمثله ذلك من استحالة عملية ستفضي حتماً إلى انهيار منظومة الاقتصاد العالمي.

الأهمية الاستراتيجية للمضائق في السياسة الدولية ونهاية معادلات الإمبراطورية البريطانية

يُعدّ مضيقا هرمز وباب المندب ركيزتين أساسيتين للأمن الاقتصادي والجغرافيا السياسية العالمية. فعلى مدار قرن تقريباً من التاريخ المعاصر، كان هذان المضيقان جزءاً لا يتجزأ من منظومة الهيمنة وحماية الخطوط التجارية للإمبراطورية البريطانية المتجهة نحو الشرق (لا سيما الهند ومنطقة الخليج).

* مضيق هرمز: البوابة الرئيسية لصادرات النفط الخليجية، والذي مثّل في القرن العشرين جزءاً من الطوق الأمني الذي أشادته بريطانيا للسيطرة على خطوط الطاقة.

* باب المندب: حلقة الوصل الاستراتيجية بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، والذي شكّل في العهد الإمبراطوري البريطاني (عبر ميناء عدن وقناة السويس) جوهرة التاج لهيمنة هذا البلد البحرية.

الجذور التاريخية والإمبراطورية البريطانية في الشرق الأوسط طوال القرنين التاسع عشر والعشرين، قامت الإمبراطورية البريطانية على أساس السيطرة الحصرية على الممرات المائية. ولحماية الهند التي اعتبرت درة تاج الإمبراطورية، أنشأت لندن شبكة ترابط استراتيجية تبدأ من قناة السويس، وتمر عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وصولاً إلى بحر العرب والخليج العربي ومضيق هرمز. لم تكن هذه المضائق مجرد مسارات تجارية فحسب، بل مثلت الشرايين الحيوية للقوة العسكرية والاقتصادية للإمبراطورية.

استطاعت بريطانيا حينذاك فرض هيمنة مطلقة على هذه المناطق مستخدمة الاتفاقيات الدبلوماسية، والقواعد العسكرية، وقوة بحرية لا نظير لها. وقد بُنيت سياسة لندن الخارجية على قناعة راسخة مفادها أن من يسيطر على هذه الممرات المائية الضيقة، يستطيع الإمساك بزمام التجارة والاقتصاد العالمي.

التحول الجيوسياسي وانكفاء لندن عن الميادين الرئيسية

أعقب الحرب العالمية الثانية وعمليات تصفية الاستعمار (إنهاء الاستعمار) اضطرار بريطانيا إلى التخلي تدريجياً عن قواعدها العسكرية الواقعة شرق السويس. وأدى هذا الانسحاب تدريجياً إلى خلق فراغ واسع، سدّت الولايات المتحدة جانباً منه في البداية، قبل أن تسعى القوى الإقليمية لفرض مواقعها فيه خلال العقود اللاحقة. وقد أثبتت التغيرات المتسارعة في العقد الأخير أن انسحاب بريطانيا لم يكن عسكرياً فحسب، بل مثّل نهاية فعلية لتلك التأثيرات الجوهرية التي زعمت لندن قدرتها من خلالها على ضمان سلامة الخطوط وقت الأزمات.

* تراجع القدرة العسكرية المستقلة: تعجز بريطانيا اليوم، نظراً لحجم أسطولها البحري وجاهزيتها اللوجستية، عن الاستمرار بدور “الشرطي البحري” المستقل في المنطقة.

* الاعتماد على التحالفات: بات أي تدخل أو جهود حماية تبذلها بريطانيا في هذه المضائق مرهوناً بالكامل بالشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والحلفاء الإقليميين.

إغلاق المضائق وشلل نموذج الاقتصاد العالمي

في عالمنا المعاصر، يترتب على مخاطر إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران أو وكلائها، وإغلاق باب المندب من قِبل القوى الفاعلة في البحر الأحمر، تداعيات بالغة الخطورة على حركة نقل الطاقة والبضائع. وقد أثبتت هذه الأزمات أن النموذج البريطاني القديم القائم على حفظ الاستقرار العالمي عبر أدوات القرن العشرين لم يعد قابلاً للتطبيق.

يعجز الاقتصاد العالمي المعاصر عن الاتكال على قوة خارجية كبريطانيا لضمان فتح الممرات. إن إغلاق هذه المضائق لا يتسبب في رفع الأسعار فحسب، بل يضع منظومة النقل البحري الدولية في حالة من انعدام الأمن الدائم؛ مما يجسد بوضوح فشل وانهيار ذلك “الحلم” الذي انطلقت بريطانيا في تشييده قبل قرن عبر إمبراطوريتها البحرية.

عصر جيوسياسي جديد وتفكيك الخريطة البحرية القديمة

لا يعد إغلاق المضائق الحساسة مثل هرمز وباب المندب في الظرف الراهن مجرد أزمة لوجستية أو عسكرية مؤقتة، بل يمثل موعداً لنهاية نهائية لتلك القاعدة التاريخية التي بنيت عليها الإمبراطورية البريطانية في القرنين التاسع عشر والعشرين. في ذلك العصر، اعتبرت الإمبراطورية أن السيطرة على البوابات المائية تكفل السيادة الاقتصادية والسياسية العالمية. غير أن الانكفاء التدريجي للندن عن هذه الميادين الاستراتيجية، وما أعقبه من تعطل شامل لهذه المعادلة، فتح الباب أمام مرحلة جديدة تغيرت فيها موازين القوى في الشرق الأوسط والخليج جذرياً.

انهيار أسس الاستعمار وفراغ القوة

تأسست سياسة الاستعمار البريطاني على مبدأ “حماية خطوط المواصلات” بالاستناد إلى القوة البحرية المطلقة طوال القرن الماضي. وحينذاك، كانت عدن، وقناة السويس، والخليج تُدار كوحدات أمنية متكاملة. وحين اضطرت بريطانيا للانسحاب من هذه المناطق بعد الحرب العالمية الثانية، حلت محلها الولايات المتحدة مؤقتاً، إلا أن أزمات إغلاق المضائق الأخيرة تؤكد ما يلي:

* غياب الفاعل المهيمن الحاسم: لم تعد لندن تمتلك القدرات العسكرية والمالية لشركاتها لتكون طرفاً مؤثراً في حماية هذه المسارات، كما تواجه الولايات المتحدة محدودية في خياراتها أمام التكتيكات الحديثة للقوى الميليشياوية المحلية.

* تبدل ورقة الضغط: أثبت إغلاق باب المندب من قِبل الفصائل المسلحة والتهديد بإغلاق هرمز أن المضائق لم تعد خاضعة لسيطرة القوى الغربية، بل استحالت أوراق ضغط إقليمية لكسر المعادلات الاقتصادية العالمية.

التداعيات الاقتصادية والعسكرية لمستقبل المنطقة

أدت تداعيات زوال تلك المعادلة القديمة إلى صياغة الخريطة الاقتصادية والعسكرية المستقبلية للمنطقة وفق المعطيات الآتية:

* فشل نموذج العولمة الحرة: تجد التجارة العالمية، التي اعتمدت لعقود على ضمانات الملاحة البحرية، نفسها مجبرة اليوم على التأقلم مع الارتفاع الحاد في تكاليف التأمين، وتحويل مسارات السفن حول القناة الأفريقية (قناة موزمبيق ورأس الرجاء الصالح)، وتعطل سلاسل الإمداد.

* صعود أقطاب جديدة: في ظل افتقاد بريطانيا وشركاتها لقدرات السيطرة المطلقة، يبرز فراغ تسعى القوى الآسيوية كالصين والهند لملئه؛ فهاتان الدولتان تعتمدان بصورة أساسية على نفط وبضائع هذه المضائق، مما يدفعهما للإنخراط السياسي والعسكري المتزايد لحماية مصالحهما، والسعي لبناء شبكة استراتيجية جديدة مع الولايات المتحدة (تحالف حماية المصالح) لوضع حد لتلك الميليشيات المعرقلة للمسار التجاري والاقتصادي العالمي.

* مزيد من العسكرة الإقليمية: تجد دول المنطقة نفسها مجبرة على تطوير قدراتها الدفاعية البحرية والصواريخ، لعجزها عن الاعتماد على قوة خارجية كبريطانيا وشركاتها لحماية أمنها الاقتصادي بعد زوال إرثها التاريخي في المنطقة.
يعلن هذا الوضع الجديد عن بزوغ عهد يتسم ببالغ الحساسية للأمن الاقتصادي العالمي، واعتماده على توازن متعدد الأقطاب شديد التعقيد، بمعزل عن الحماية أحادية الجانب لأي قوة استعمارية قديمة.

نهاية المعادلات القديمة، وتغير خارطة سياسة الشرق الأوسط واحتمالات التصدع

يخلق سقوط المعادلات الغربية القديمة، ولا سيما نهاية الهيمنة التاريخية البريطانية في حماية ممرات المضائق، فراغاً خطيراً في الشرق الأوسط يشكل محفزاً لتغيير خارطة الجغرافيا السياسية وتفكك الدول الراهنة في المنطقة. وتواجه تلك الكيانات التي تأسست على خلفية اتفاقيات القرن الماضي (مثل اتفاقية سايكس بيكو) تهديداً حقيقياً بالتصدع وولادة كيانات جديدة.

عوامل التصدع ونشأة الدول الجديدة

* تراجع سيادة الدول المركزية: عندما يرتج الاقتصاد العالمي والمحلي نتيجة إغلاق المضائق، تعجز الحكومات المركزية عن توفير الموازنات والرواتب والخدمات؛ مما يحفز البنى الإقليمية والقومية للمطالبة بالاستقلال.

* تشرذم البلدان الهشة: تواجه البلدان التي تمر بحروب وأزمات داخلية حالياً (مثل العراق، وسوريا، اليمن، وليبيا) احتمالات عالية للتفكك إلى عدة كيانات مستقلة مع انهيار القوى الخارجية التي كانت تحفظ وحدتها.

* تنازع القوى الإقليمية والدولية: يؤدي التنافس المحتدم بين القوى الصاعدة (كالصين، وإيران، تركيا، ودول الخليج) للسيطرة على المناطق النفطية والممرات المائية إلى إعادة ترسيم الحدود وتوفير الدعم لقيام دويلات صغيرة أو أقاليم ذات قرار سيادي.

احتمالات تغير الخريطة الإقليمية (آفاق عام 2030)

| الإقليم | الوضع الجيوسياسي الراهن والتوقعات المستقبلية حتى 2030

* العراق وسوريا | مجتمعات هجينة متعددة المكونات تعاني من غياب الاستقرار؛ مع احتمالية انفصال المناطق الكوردية، السنية، والشقية ككيانات مستقلة أو أقاليم
قوية.
* شبه الجزيرة العربية (اليمن والخليج) انقسام داخلي في اليمن واستقطاب خليجي؛ يبرز خلاله انفصال رسمي لليمن الجنوبي والشمالي، إلى جانب ظهور كيانات أصغر حجماً على ضفاف الخليج تبعاً للمصالح الاقتصادية.

* شمال أفريقيا (ليبيا) انقسام سياسي وعسكري عريض يفضي إلى تفكك ليبيا لكيانين أو ثلاثة مستقلة (طرابلس، بنغازي، والجنوب).

تنبئ هذه التحولات بانطلاق مرحلة تفقد فيها حدود القرن العشرين صلاحيتها للبقاء، لتتبلور خارطة جيوسياسية جديدة على أرض الشرق الأوسط، ترسم ملامحها منظومة متكاملة تخلقها الولايات المتحدة وأوروبا بالاشتراك مع الصين ضمن تحالفات جديدة.

ورؤية البيشمركة لقراءة واقع الأزمات والتحركات الجيوسياسية من أجل بقاء كوردستان كقوة “ناعمة” ذات استراتيجية دفاعية، بهدف صيانة المصالح الاقتصادية، ومراقبة الممر الاستراتيجي لكونفدرالية طاقة (الشرق الأوسط – أوروبا)، وتطوير مجتمع متماسك للعيش المشترك ضمن إطار سياسي واقتصادي وعسكري متين، مستشرفين مستقبل وطن يُعرف بـ (كوردستان).

قد يعجبك ايضا