كرسيّ السلطة مبنيّ على جماجم البشر…؟

محمد مراد فتاح

في منطقة الشرق الأوسط، يبدو الوصول إلى السلطة في كثير من الأحيان مختلفًا عن بقية دول العالم، بل قد يكون أكثر غرابة وإثارة للدهشة. فالقوانين والدساتير، في بعض الحالات، لا تصبح عائقًا أمام من يريد الوصول إلى كرسي الحكم، مهما كانت الوسائل التي يستخدمها، ومهما كان تاريخه أو ما ارتكبه بحق شعبه.
المهم عند بعض الساعين إلى السلطة ليس كيف يصلون إليها، بل أن يصلوا إليها بأي ثمن. قد يكون الشخص إرهابيًا أو قاتلًا أو دكتاتورًا أو مسؤولًا عن نهب ثروات شعبه، ومع ذلك يمكن أن يجد طريقه إلى كرسي السلطة، وكأن كل الجرائم والانتهاكات تصبح بلا قيمة بمجرد الجلوس على ذلك الكرسي.
والأغرب من ذلك أن من كانوا بالأمس يقفون ضدك، ويهاجمونك ويتهمونك، قد يتحولون بعد وصولك إلى السلطة إلى أول المهنئين بك. يبدؤون بتقبيل يديك، وتقديم عبارات الولاء والطاعة، وكأن شيئًا لم يحدث. فالمصلحة السياسية، في كثير من الأحيان، تتغلب على المبادئ والقيم، ويصبح كرسي السلطة هو المعيار الذي يحدد الصديق والعدو.
أما إذا استطاع الحاكم أن يثبت كرسيه فوق جماجم الناس، فإن الشعب قد يجد نفسه مضطرًا إلى السير فوق قبور الموتى للوصول إليه، ثم يقف أمامه لالتقاط الصور، وكأن الدماء التي سالت تحت أقدام السلطة لم تكن دماء بشر، بل مجرد ثمن عابر للوصول إلى الحكم.
وهنا تكمن إحدى أكبر مآسي المنطقة: عندما يصبح كرسي السلطة أهم من الإنسان، وتصبح حياة المواطنين أرخص من بقاء الحاكم في منصبه.
وفي بعض دول الشرق الأوسط، تتحول الشعارات السياسية والدينية والقومية إلى أدوات لإخضاع الشعوب وإبقائها تحت السيطرة. تُرفع رايات مختلفة، وتُستخدم عبارات الدين والوطن والقومية والطائفة، بينما يبقى الهدف الحقيقي هو المحافظة على كرسي السلطة وإسكات كل صوت يطالب بالحرية والعدالة والحقوق.
ويمكن النظر إلى عدد من الدول العربية والشرق أوسطية، مثل السعودية واليمن والمغرب والأردن وسوريا وإيران، باعتبارها نماذج مختلفة لأنظمة سياسية وتجارب حكم متباينة، ولا يمكن وضعها جميعًا في خانة واحدة. لكن المشكلة العامة في المنطقة تتمثل في أن شعوبًا كثيرة عانت من الفقر والاستبداد والصراعات والانقسامات، بينما بقيت السلطة في كثير من الأحيان بعيدة عن طموحات المواطنين.
وعندما يزداد خوف السلطة من مطالب الشعب، تبدأ مرحلة أخرى: مرحلة التخويف والقمع. فإذا خرج المواطنون للمطالبة بحقوقهم، أو نظموا احتجاجات سلمية، قد تُستخدم ضدهم أجهزة الأمن والقوة والاعتقال، وقد تتحول الدولة من مؤسسة لحماية المواطن إلى وسيلة لإسكاته.
وعندها تُستعمل الشعارات والاتهامات الجاهزة لتشويه المحتجين، ويُصوَّر المطالب بالحرية وكأنه عدو للوطن، ويُتهم المعترض بالخيانة، ويصبح الدفاع عن الحقوق جريمة، بينما يصبح الصمت فضيلة مفروضة بالقوة.
لكن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا هو: إلى متى يمكن أن يبقى كرسي السلطة قائمًا على الخوف؟
فالسلطة التي لا تستند إلى رضا الناس وعدالة القانون قد تستطيع البقاء فترة من الزمن، لكنها لا تستطيع أن تضمن المستقبل. والكرسي الذي يُبنى على الظلم والقمع قد يبدو قويًا من الخارج، لكنه يبقى هشًا من الداخل.
إن قوة الدولة الحقيقية لا تقاس بعدد السجون ولا بحجم الأجهزة الأمنية، ولا بعدد البنادق والعصي التي تُستخدم ضد المتظاهرين، وإنما تقاس بقدرتها على حماية حقوق مواطنيها، وتحقيق العدالة، واحترام القانون، وتداول السلطة بصورة سلمية.
فالكرسي الذي يُبنى على جماجم البشر لا يصنع دولة قوية، بل يصنع خوفًا مؤقتًا. أما الدولة التي تُبنى على احترام الإنسان وحقوقه وحريته، فهي التي تستطيع أن تبقى وتستمر…..؟

قد يعجبك ايضا