سعد محمد عبدالله
شكّل النقاش الذي دار في مجلس الأمن الدولي حول تجديد القرار 1591 وتوسيع نطاق حظر الأسلحة على السودان محطة سياسية بالغة الأهمية، لما يحمله هذا القرار من إنعكاسات مباشرة على قدرة الدولة في مواجهة الحرب وحماية شعبها وسيادتها ووحدة أراضيها، وقد جاءت مرافعة مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير الحارث إدريس، لتضع أمام المجتمع الدولي جملة من الحقائق المرتبطة بحقوق مشروعة للدولة في الدفاع عن نفسها، وبالتزاماتها القانونية تجاه مواطنيها وأراضيها؛ فكما ظللنا نردد، فإن هذه المسألة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها خلافًا إجرائيًا حول نص قرار أممي، وإنما باعتبارها قضية تتصل بالتوازن بين متطلبات حماية المدنيين، ومنع إنتشار السلاح دون رقيب، وبين حق الدولة في إمتلاك الوسائل اللازمة للدفاع عن وجودها ومؤسساتها، وفي ظل هذه الحرب المعقدة التي تتداخل فيها عوامل داخلية وخارجية، يصبح من الضروري أن تكون أي مقاربة دولية قائمة على معايير واحدة وواضحة، وألا تؤدي الإجراءات الدولية إلى إضعاف مؤسسات الدولة النظامية القائمة، والأسلم والأصح هو منع الجماعات المسلحة المتمردة من الوصول إلى مصادر متعددة للسلاح، من أجل الحفاظ على الأمن والإستقرار.
إن بعض أحاديث المسؤولين الأمميين التي ملأت الفضاء بالدعوة إلى حظر شامل للأسلحة على كامل الأراضي السودانية تثير، في تقديري، سؤالًا جوهريًا حول كيفية تحقيق السلام بالمنطق، إذا كانت الدولة نفسها مقيّدة في قدرتها على مواجهة الجماعات المسلحة التي تمارس أبشع أنواع الإنتهاكات، في الوقت الذي لا يُنظر إليها ولا يُدان من يمولها؛ فالسلام المستدام لا يمكن أن يقوم على معادلة مختلة وحلول معطوبة تضعف القوات النظامية، وتترك المجال مفتوحًا أمام تشكيلات مسلحة خارج المؤسسة العسكرية الوطنية، وتجعلها تمتلك قدرات عسكرية متزايدة، وإنما يحتاج الأمر إلى معالجة أصل المشكلة، المتمثل في حصر القوة والسلاح في يد الدولة وحدها، لا شريك لها البتة، وفق ترتيبات قانونية ودستورية واضحة، وقد أظهرت التجارب الماضية أن المليشيات تهدم كل شيء، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تبني دولة حقيقية، وأن غياب الإرادة الكافية لتنفيذ برامج الترتيبات الأمنية ونزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج سيترك ثغرات خطيرة قد تستمر تداعياتها لفترة طويلة؛ لذلك، فإن المجتمع الدولي مطالب اليوم بمراجعة سياساته تجاه السودان، ليس فقط من خلال إصدار القرارات، وإنما عبر دعم بناء مؤسسات الدولة، ومساعدة السودانيين على إنهاء ظاهرة تعدد الجيوش، ومنع تهريب السلاح والمرتزقة عبر الحدود، ومحاسبة ممولي الحرب؛ أما إتخاذ تدابير تفرض قيودًا غير متوازنة، فقد يؤدي عمليًا إلى نتائج عكسية ستكون عاقبتها وخيمة، ويمنح القوى الخارجة عن سيطرة الدولة مزيدًا من القدرة على إطالة الحرب وتعقيد فرص التفاوض والوصول إلى تسوية سياسية عادلة وشاملة وقابلة للتطبيق.
إن الحديث عن حق الدولة في الدفاع عن نفسها يجب أن يقترن بمسؤولية الدولة الكاملة في حماية المدنيين وإحترام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، لأن قوة الدولة الحقيقية لا تقاس بامتلاك السلاح وحده، وإنما بقدرتها على حماية مواطنيها وصون كرامتهم وتوفير خدمات الصحة والتعليم والأمن دون تمييز؛ كما أن مواجهة التدخلات الخارجية لا ينبغي أن تكون ذريعة لإهمال البعد الداخلي للأزمة، فالسودان يحتاج إلى معالجة سياسية وأمنية وإقتصادية شاملة تضع حدًا لتعدد مراكز القوة والسلاح والنفوذ، وتعيد بناء المؤسسة العسكرية والأمنية، وتضمن خضوع كافة القوى الأخرى للقانون والسلطة المدنية الدستورية في الدولة المستقرة التي لا يمكن أن تسودها المليشيات؛ ومن هنا، فإن الموقف السوداني الرافض لتوسيع حظر الأسلحة ينبغي أن يتحول إلى رؤية سياسية وإعلامية أوسع وأشمل، تطالب المجتمع الدولي بالتعامل الكامل مع مصادر تهريب السلاح، ومنع أي دعم خارجي لمليشيا الدعم السريع التي تمثل خطرًا حقيقيًا على السلم والأمن السوداني والإقليمي، ومراقبة الحدود وممرات التهريب، ومحاسبة كل من يساهم في إطالة أمد الحرب؛ فالعدالة في التعامل الدولي تعني ألا تكون الدولة وحدها مطالبة بالقيود، بينما تستطيع الجماعات المسلحة الحصول على السلاح من خارج الحدود، وإذا أراد المجتمع الدولي فعلًا إنهاء الحرب في السودان، فعليه أن يجفف منابعها الخارجية، ويخاطب الحكومات التي ثبت تورطها فيها، ويجب دعم الحل السياسي، وجهود الدولة لحماية المدنيين، وتهيئة الظروف لحوار شامل يقود إلى سلام يحفظ وحدة وسيادة السودان.
مهما يكن القرار الذي سيتخذه مجلس الأمن بشأن السودان، فإن المسؤولية الأساسية عن مستقبل البلاد تظل مسؤولية السودانيين أنفسهم، لأن القرارات الدولية، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع وحدها صناعة السلام أو بناء الدولة، ومعركة السودان الحقيقية يجب أن تتجه نحو إنهاء الحرب وإستعادة الإستقرار وبناء دولة قوية قادرة على حماية مواطنيها، لا دولة رخوة تتنازعها الجيوش والمليشيات ومراكز النفوذ العالمي؛ ولذلك، فإن الصمود والثبات في مواجهة الحرب ينبغي أن يترافقا مع رؤية سياسية واضحة لما بعد الحرب، تقوم على العدالة والمصالحة الوطنية وإعادة الإعمار ومعالجة جذور التهميش وإصلاح مؤسسات الدولة، وإرساء مبدأ المواطنة بلا تمييز؛ وكما قلنا سابقًا، فإن الإنتصار الحقيقي للسودان لا ينبغي أن يُختزل في الحسم العسكري، بل في القدرة على النهوض من هذه الكارثة المدمرة والإتجاه نحو تأسيس نظام سياسي وإجتماعي وإقتصادي جديد يمنع تكرار الحرب، ويعيد للسودانيين ثقتهم في وطنهم ومستقبلهم؛ ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن حق السودان في حماية وحدته وسيادته لا يتناقض مع السعي إلى السلام، بل يجب أن يكون مدخلًا إليه، شريطة أن يكون السلام قائمًا على مفهوم بناء دولة واحدة، وسلاح واحد، وحقوق متساوية لجميع المواطنين، وعندها فقط يمكن تثبيت أعمدة سودان السلام والعدالة والمواطنة، وفتح صفحة جديدة تتجاوز مرارات الحرب وتمهد الطريق للسير نحو وطن أكثر إستقرارًا ووحدة.