نبيل عبد الأمير الربيعي
الإعلان عن استكمال عملية توحيد قوات البيشمركة في إقليم كوردستان، ووضع تشكيلاتها المختلفة ضمن هيكلية عسكرية موحدة وقيادة وسيطرة مركزية، يستحق التوقف عنده أبعد من حدود الخبر العسكري؛ لأنه يأتي بعد تاريخ طويل من التحولات السياسية والعسكرية التي رافقت القضية الكوردية والعراق الحديث.
فالبيشمركة ليست قوة عسكرية وليدة السنوات الأخيرة، بل تمتد جذورها إلى بدايات القرن العشرين، حين ظهرت مجموعات من المقاتلين والحراس المحليين في البيئة الكوردية، ثم أخذت تتبلور بصورة أكثر تنظيماً خلال ثورات ومواجهات متعاقبة، ولا سيما في مرحلة الشيخ محمود الحفيد في عشرينيات القرن الماضي. وفي عام 1946 اكتسبت تجربة البيشمركة بعداً أكثر وضوحاً عندما أصبحت القوة العسكرية لجمهورية مهاباد بقيادة الملا مصطفى البارزاني، قبل سقوط الجمهورية في العام التالي.

ومنذ ستينيات القرن الماضي، دخلت البيشمركة مرحلة جديدة من تاريخها، حين خاضت فصائلها صراعات مسلحة طويلة مع الحكومات العراقية المتعاقبة، ولا سيما خلال الحرب الكوردية الأولى والثانية، ثم شهدت سنوات الثمانينيات تعقيدات أكبر بفعل الحرب العراقية الإيرانية وتشابك القضية الكوردية مع الصراع الإقليمي.
وكان عام 1991 محطة مفصلية أخرى؛ إذ أسهمت انتفاضة آذار في تغيير المعادلة السياسية والأمنية في شمال العراق، ومهدت الظروف اللاحقة لنشوء تجربة الحكم الذاتي في إقليم كوردستان، ثم تطورت البيشمركة تدريجياً من تشكيلات ذات طابع حزبي ومناطقي إلى مؤسسة أمنية وعسكرية أكثر انتظاماً.
وبعد عام 2003، دخلت البيشمركة مرحلة مختلفة تماماً. فقد أصبحت جزءاً أساسياً من المنظومة الأمنية في إقليم كوردستان، واكتسبت موقعاً دستورياً في إطار الدولة العراقية، فيما برز دورها بصورة واسعة خلال الحرب على تنظيم داعش، حيث قاتلت في جبهات متعددة وقدمت تضحيات كبيرة في مواجهة الإرهاب.
غير أن هذه المسيرة الطويلة ظلت تحمل إشكالية أساسية: هل تستطيع قوة ذات تاريخ طويل وارتباطات سياسية وتنظيمية متعددة أن تتحول إلى مؤسسة عسكرية واحدة؟
وهنا تكمن أهمية الإعلان الأخير. فتوحيد قوات البيشمركة تحت مظلة وزارة البيشمركة، وإعادة توزيعها ضمن ألوية وفرق وقيادات مناطق، واعتماد منظومة قيادة وسيطرة موحدة، يمثل: اكتمال تطبيقه عملياً، وانتقالاً مهماً من منطق التشكيلات المتعددة إلى منطق المؤسسة العسكرية. والأهم من الهيكلية العسكرية نفسها هو توحيد القرار.
فالمؤسسة العسكرية الحديثة لا تقوم فقط على الرتب والألوية والمقرات، وإنما على سلسلة قيادة واضحة، وأوامر عسكرية موحدة، وانضباط مؤسسي، وميزانية وإدارة وتسليح وتدريب يخضع جميعها لسلطة رسمية واحدة. وهذا لا ينتقص من التاريخ النضالي للبيشمركة، ولا من التضحيات التي قدمها مقاتلوها، بل ربما يكون أفضل تكريم لذلك التاريخ هو تحويل تلك التجربة إلى مؤسسة وطنية حديثة، تحمي المواطن والأرض، وتخضع للقانون، ولا تكون أداة بيد حزب أو جماعة سياسية.
ومن المهم هنا النظر إلى المسألة من زاوية عراقية أيضاً، فالدستور العراقي أقر خصوصية إقليم كوردستان ومؤسساته ضمن النظام الاتحادي، ومن ثم فإن بناء قوة عسكرية مهنية ومنظمة داخل الإقليم، ضمن الإطار الدستوري والقانوني، يمكن أن يعزز استقرار العراق الاتحادي، بدلاً من أن يكون سبباً جديداً للتنافس على النفوذ والسلاح.
لقد عانى العراق طويلاً من مشكلة تعدد مراكز القوة والقرار، ومن تحويل السلاح أحياناً إلى امتداد للمشروع السياسي. ولذلك فإن تجربة توحيد البيشمركة تحمل رسالة تتجاوز حدود الإقليم. وإذا كان إقليم كوردستان قد قطع هذه الخطوة، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ من هنا؛ لأن التوحيد على الورق شيء، وتحويله إلى ممارسة يومية شيء آخر.
كما أن الدعم الدولي، ولا سيما الدعم الذي قدمه التحالف الدولي خلال السنوات الماضية، ينبغي أن يتجه أكثر نحو بناء القدرات المؤسسية والتدريب والتسليح الاحترافي، لا مجرد دعم تشكيلات منفصلة. فالمساعدة الخارجية تكون أكثر جدوى عندما تصب في بناء مؤسسة تستطيع الاستمرار بذاتها، لا في تكريس الانقسام داخلها.
إن تاريخ البيشمركة طويل، ومليء بالحروب والتضحيات والانتصارات والانكسارات، لكنه الآن يقف أمام امتحان من نوع مختلف. امتحان الانتقال من قوة صنعتها الجبال والحروب إلى مؤسسة تصنعها الدولة والقانون. وإذا نجحت هذه العملية فعلاً، فإن توحيد البيشمركة لن يكون مجرد إعادة ترتيب للألوية والفرق، بل سيكون تحولاً في مفهوم القوة ذاتها: من قوة ترتبط بذاكرة الصراع إلى قوة ترتبط بمؤسسات الدولة.
وهذه ليست قضية كوردية فحسب، بل قضية عراقية بامتياز؛ لأن العراق الذي يريد أن يتخلص من المحاصصة والولاءات المتعددة، يحتاج قبل كل شيء إلى أن يتعلم درساً بسيطاً: أن تتعدد الأحزاب، نعم؛ أن تتعدد الآراء، نعم؛ أما السلاح والقرار العسكري، فلا بد أن تكون لهما مرجعية واحدة.