ملحمة قامشلو: كرامةٌ تُنتزع ولا تُستجدى.. كبرياءٌ يتشبث بالأرض رغم مرارة الخذلان وغصة الأزمات

هورين حسن

في شوارع مدينة قامشلو، العاصمة الثقافية والروحية والسياسية للشعب الكردي في سوريا، والنابضة بالحياة بعد أن صمتت فوهات البنادق، تجري فصول ملحمة إنسانية فريدة، بطلها شعبٌ جبار يرفض الانكسار أو الركوع.
ويتحدى الأهالي يومياً سياسات الحصار الاقتصادي الخانق، وأزمات الإدارة المحلية البيروقراطية.
إنه شعبٌ يعشق الحياة بكل تفاصيلها ومفاصلها؛ ينتزع الفرح انتزاعاً من قلب المعاناة، فتجدهم يملؤون الساحات بحلقات الدبكة والأعراس الفلكلورية الملونة بتحدٍ صارخ، ومثلما يتشاركون قمة الفرح، يقفون كجسد واحد متلاحم في المآتم ليتقاسموا الحزن بكرامة وكبرياء.
هذا الحضور القوي والحيوي ليس مجرد محاولة عابرة للبقاء، بل هو مواجهة وهجوم ضد واقع سياسي واقتصادي أسود يُفرض عليهم فرضاً.
لقد طال الانتظار وتجاوزت التضحيات كل الحدود، وآن الأوان ليرتفع الصوت الهادر دون مواربة، كفى!
هذا الشعب الجبار يستحق حياة كريمة تليق بنضاله وطموحه، وقد حان وقت الحساب لإنهاء هذه المعاناة.
فلسفة البقاء: أعراسٌ تتحدى الحصار ومآتمٌ تُرسخ التلاحم
إن فلسفة البقاء لدى هذا الشعب لا تقتصر على غريزة الاستمرار، بل هي استراتيجية مواجهة واعية ترفض الفناء والتهميش.
تتجلى هذه الفلسفة بأبهى صورها في الأعراس الكردية بقامشلو؛ حيث يتحول الفرح الجماعي إلى فعل مقاومة سياسي واجتماعي صلب، حين يرتدي الأهالي أزياءهم التراثية الزاهية وتتشابك الأيادي في حلقات الدبكة الطويلة، فإنهم لا يرقصون ابتهاجاً فحسب، بل يطلقون إعلاناً مدوياً بوجودهم التاريخي، قائلين للواقع المرير إن إرادة الحياة فينا أقوى من بؤس خدماتكم!
ومثلما يقاومون بالفرح، يتوحدون بالوجع؛ إذ تتحول المآتم في المدينة إلى مؤسسات تكافلية مهيبة في لحظات الفقد، لا تُترك العائلات وحيدة تحت وطأة الحزن أو الأعباء الاقتصادية، بل يقف المجتمع كجسد واحد متلاحم، يتقاسم الانكسار ويرممه، ليصبح الحزن طاقة تضامن تمد الجميع بالقوة للنهوض في اليوم التالي.
هذه الحيوية الفريدة تواجه اليوم مفارقة صارخة وفاضحة؛ حيث يجد هذا الشعب المثقف والمبدع نفسه أمام مجالس محلية وهياكل إدارية، أثبتت فشلها الذريع في تأمين أبسط مقومات العيش للمواطن.
إن الأزمات الخدمية الخانقة من انقطاعات المياه الطويلة وشلل قطاع الكهرباء وطوابير المحروقات والخبز ليست مجرد قضاء وقدر، بل هي نتاج مباشر لعقليات حزبية ضيقة ومحسوبيات تفتقر لأدنى معايير الكفاءة والمهنية “التكنوقراط”، مما حوّل اليوميات إلى استنزاف مستمر.
وفاء البقاء ومرارة الخيبة: كرامة التشبث بالأرض في زمن الاكتئاب العام
وفي خضم هذه الدوامة المعيشية، تتجلى قصة وفاء صامتة ومؤلمة؛ فالكثير من أبناء قامشلو ممن كانت تتوفر لديهم القدرة المالية والإمكانيات اللوجستية لمغادرة البلاد والهجرة إلى الخارج، آثروا البقاء.
لقد رفضوا خيار الرحيل المريح وتشبثوا بتراب مدينتهم وبيوتهم، مدفوعين بإيمان راسخ بأن الوطن كرامة، وأن الأرض لا تُترك في محنتها.
لكن الصدمة الكبرى تكمن في خذلان هذا الوفاء؛ فأن يصل الوضع المعيشي والخدمي إلى هذا الحد المهين والمزري، هو ما فجّر في صدور الباقين غصة لا ترحم.
لقد خيمت على شوارع مدينة العشق، سحابة ثقيلة من الحزن الكثيف والاكتئاب العام، وبات الناس يعيشون حالة انكسار نفسي مرير، ليس عجزاً، بل من هول الخيبة والخذلان الإداري الذي يقتل فيهم رغبة الصمود ويثقل كواهلهم بأسئلة الغد المجهول!
ولم يتوقف هذا التهميش عند لقمة العيش، بل امتد ليتطاول على الهوية القومية والثقافية في الصميم، مسبباً أزمة تعليمية خطيرة فجّرت غضب الشارع.
عصيان المقاعد والطباشير: معركة الشارع للدفاع عن التعليم باللغة الأم
ولم يتوقف هذا التهميش البيروقراطي عند حدود الخدمات، بل امتد ليمس الهوية القومية والثقافية في الصميم، مهدداً وجودها بالكامل؛ حيث شهد انطلاق العام الدراسي مواجهة مفتوحة في الشارع.
ففي مواجهة القرار رقم /493/ الصادر عن وزارة التربية والتعليم في الحكومة الانتقالية السورية بتاريخ 27 آب من العام الجاري والذي قضى بحصر تدريس اللغة الكردية في ثلاث حصص أسبوعية فقط كـ “لغة وطنية” ثار البركان الشعبي في قامشلو وعامودا والحسكة وكوباني.
واعتبر الأهالي والمعلمون هذا القرار محاولة ممنهجة لإفراغ هويتهم من محتواها، وتقزيماً للغة عاشت ونمت في مدارس المنطقة لسنوات، وتحويلها إلى مجرد مادة ثانوية هامشية.
تُرجم الغضب فوراً في الميدان؛ إذ شهدت المدينة إضرابات طلابية واسعة، ورفض مئات الطلاب دخول الصفوف والتحقوا بساحات الاحتجاج، وتجمعوا أمام مقر المجمع التربوي في قامشلو ومبنى مديرية المنطقة وانخرط المعلمون والأهالي في مسيرات جماهيرية حاشدة، رافعين لافتات كُتب عليها بالخط العريض: “لغتنا هي بقاؤنا.. نريد حقنا كاملاً في التعليم بلغتنا الأم”.
وصدحت الحناجر بهتافات مدوية تؤكد أن اللغة الكردية ليست ترفاً ثقافياً بل هي قضية وجود وتاريخ رافضين بشكل قاطع العودة القسرية المفاجئة للمناهج العربية دون مراعاة لجيل كامل لا يجيدها بالشكل الكافي.
وجاءت المطالب واضحة وصارمة، الاعتراف القانوني والترسيم الدستوري الكامل للغة الكردية كلغة أساسية ورسمية للتعليم والإدارة في سوريا الجديدة.
ولكن أمام هذا السيل البشري الهادر، لا تزال سلطات القرار تتبع سياسة “الأذن الصماء” والتجاهل المتعمد، ممّا يضع الشارع في مواجهة مفتوحة لانتزاع هذا الحق الأصيل الذي لا يقبل المساومة.
شريان الحياة العابر للحدود: أموال الاغتراب تقود معركة التمويل الذاتي للصمود
وأمام هذا الانسداد الإداري والحصار الاقتصادي الخانق المضروب على المدينة، أثبت كرد قامشلو أنهم لا ينتظرون حلولاً أو شفقة من أحد.
لقد أعلن الأهالي ثورتهم الخدمية المستقلة لمواجهة العجز؛ فتحولت الأحياء إلى خلايا نحل لحفر الآبار الارتوازية المشتركة لتأمين المياه، وغطت ألواح الطاقة الشمسية أسطح المنازل والمحلات التجارية كبديل نظيف تحدى عتمة الشبكات الرئيسية، وأديرت شبكات المولدات الأهلية (الأمبيرات) لتسيير شؤون الطاقة محلياً بجهود شعبية بحتة.
وفي قلب هذه المعركة، يقف المغتربون من أبناء قامشلو في أوروبا، ودول الجوار كخط الدفاع الاقتصادي الأول والشريان المالي الحقيقي الذي يضخ الحياة في جسد المدينة.
إن الحوالات المالية الشهرية التي يرسلها المغتربون بالعملة الصعبة ليست مجرد مساعدات، بل هي صواريخ دعم تكسر الحصار، وتؤمن الغذاء والدواء للعائلات، وتمول العمليات الجراحية، وتدعم المشاريع الصغيرة والمدارس وتكاليف الطاقة البديلة.
هذا التلاحم الأسطوري العابر للحدود يثبت للعالم أجمع أن الانتماء لقامشلو هو عقيدة صمود لا يمكن لأي إدارة فاشلة أو حصار جائر أن يكسرها.
نهاية طابور الانتظار: صرخة الشارع الأخيرة لاستعادة الحياة الكريمة
إن شعباً يمتلك هذا العنفوان الروحي، وهذا التكافل الأهلي العظيم، وهذه القدرة المرعبة على تطويع المستحيل وخلق البدائل وسط الركام، هو شعب لا يطلب منّة أو استجداءً من أحد، بل يفرض شروطه وحقوقه الإنسانية والقومية المشروعة.
إن الحياة الكريمة لمدينة الحب تبدأ أولاً بالإطاحة بالعقليات الإدارية الفاسدة، وإرساء إدارة كفؤة تخضع للمحاسبة الشعبية، والاعتراف الدستوري والقانوني الفوري وغير المشروط بالهوية واللغة الكردية.
لقد دفع هذا الشعب فاتورة الحرية والصمود مضاعفة من دماء أبنائه وعرق جبينهم، وطال انتظاره على أرصفة الوعود الزائفة.
إن الأيام القادمة لن تكون إلا شاهداً على أن هذا التلاحم لن يتراجع، وأن لسان حال الشارع اليوم يصرخ بأعلى صوته في وجه كل الفاشلين والعابثين بمصيره؛ كفى خذلاناً، كفى سرقة للأحلام، هذا الشعب الجبار سينتزع حياته الكريمة ويحمي هويته رغماً عنكم جميعاً.

قد يعجبك ايضا