توحيد قوات البيشمركة بين أربيل والسليمانية وترسيخ معادلة الردع الاستراتيجي الكوردستاني

​د.جيهان علو*

​يُشكّل الإعلان التاريخي عن استكمال توحيد قوات البيشمركة بين أربيل والسليمانية وتجميعها تحت مظلة وزارة شؤون البيشمرگة في حكومة إقليم كردستان تحولاً استراتيجياً ومفصلياً في مسار بناء الدولة والمؤسسات الأمنية الوطنية. إننا في مركز الخليج للدراسات الإيرانية نتقدم بأسمى آيات التهنئة والمباركة للسلطات والقيادات في أربيل والسليمانية ولشعب كوردستان الأبي ولعوائل الشهداء الأبرار على هذه الخطوة الشجاعة التي تتجاوز عقوداً من الانقسام العسكري والاستقطاب الحزبي.  فوحدة السلاح والعقيدة العسكرية الكوردستانية تضع اللبنة الأساسية لبناء صرح أمني متين يضمن صون السيادة الوطنية ويعيد تشكيل معادلات القوة والتوازن في عموم الشرق الأوسط.

تتجلى الأهمية الجيوسياسية المباشرة لهذا الإنجاز في إغلاق الثغرات الاستراتيجية أمام محاولات الهيمنة والنفوذ الإقليمي، ولا سيما الاستراتيجيات الإيرانية القائمة تاريخياً على استغلال التباينات السياسية واللعب على وتر الازدواجية بين المنطقة الصفراء والمنطقة الخضراء. لقد عانت المنطقة لسنوات من محاولات اختراق المشهد الأمني الكوردي وتوظيف المساحات الرمادية لصالح أجندات خارجية وميليشيات غير حكومية تُزعزع استقرار كوردستان ومحيطها، غير أن دمج السلاح الكوردي تحت قيادة نظامية موحدة يُحصّن البيت الكوردستاني، ويفرض كفاءة ردع عالية تحمي المكتسبات الدستورية وتصون كرامة الأمة.
والقراءة الاستراتيجية العميقة لواقع الأمن القومي في المنطقة تؤكد أن التطلع الأسمى والحلم الوطني الكوردستاني الجامع يتجاوز الحدود الإدارية الضيقة نحو آفاق أرحب، حيث نتطلع إلى اليوم التاريخي الذي تندمج فيه كافة السواعد والمقاتلين الكورد في مختلف أجزاء كوردستان وساحات نضالهم تحت راية واحدة وهيكلية عسكرية نظامية جامعة تحمل الاسم التاريخي والمقدس “البيشمرگة”. إذ توحيد الراية والسلاح تحت اسم البيشمرگة ينهي بصفة قاطعة حالة الشرذمة والتشتت التي أضرت بالقضية الكوردية، ويمنح الحركة الوطنية الكوردية مشروعية مؤسسية وقوة ضاربة تُحسب لها القوى الإقليمية والدولية ألف حساب، متحولة من حالة الدفاع والانكفاء إلى قوة استقرار إقليمية هازمة لمشاريع الفوضى والتدخلات الخارجية.

فبناء المستقبل الكوردستاني الآمن يستدعي الإسراع في استكمال المأسسة الشاملة وتجرد المؤسسة العسكرية من أي جاذبية حركية ضيقة، مع تعزيز التنسيق والتعاون الشامل مع الشركاء الإقليميين والدوليين لتطوير وتسليح قوات البيشمركة الموحدة بصفتها الجدار الأمني المنيع ورأس النضال في مواجهة الإرهاب والتمدد التوسعي، لتغدو هذه الخطوة النموذج الملهم نحو تحويل السلاح الكوردي إلى إرادة سياسية وعسكرية موحدة تقود الشعب الكوردي نحو تحقيق طموحاته المشروعة واستقلالية قراره الوطني.

*نائب رئيس مركز الخليج للدراسات الإيرانية

قد يعجبك ايضا