الدكتور: حسين جبار ابراهيم
يُطرح هذا السؤال بالحاح لافت في الأوساط الثقافية والشعبية، “متى يعود القيصر الى العراق”؟ غير أن هذا السؤال على بساطته الظاهرة، يخفي خلفه تباينا عميقا في الدوافع والنيات. فبين محب صادق يشتاق لرؤية فنان كبير يفتخر به على أرض الوطن، لكن دون أن يدرك تعقيدات المشهد وكلفة العودة، وبين آخر تحركه ضغينة دفينة أو حسد، يتمنى ضمنا، أن يقع الساهر في فخ بلد يعاني من انعدام القانون وتفكك النسيج الاجتماعي وعداء مستتر لكل ناجح. والسؤال الأجدر بالطرح هنا ليس متى يعود؟ بل: (لماذا غادر البلاد أصلا؟ وهل زالت الأسباب التي دفعته إلى الرحيل عام 1998؟). والإجابة بكل صراحة ووضوح: لا.. فالاسباب لم تزل قائمة، بل تفاقمت، وتحولت من عوائق مهنية إلى كابوس ثقافي واجتماعي وسياسي أكثر تعقيدا.
حين غادر كاظم الساهر العراق، كان المشهد الفني يعيش حالة إهمال شبه تام. صحيح أن مؤسسات فنية عريقة كانت قد تأسست منذ العهد الملكي وتوسعت في زمن أحمد حسن البكر، لكن مرحلة صدام حسين شهدت تهميشا ممنهجا للقطاع الثقافي والفني؛ توقف استيراد الآلات الموسيقية وأجهزة التسجيل وحتى أشرطة الكاسيت، وجُمّد تحديث الاستوديوهات، وتراجع التدريب المتخصص في مجالات الهندسة الصوتية والتوزيع الموسيقي. ولم يقتصر الأمر على هذه الجوانب، بل امتد إلى وسائل الاتصال والانفتاح على العالم الخارجي؛ إذ فُرضت قيود شديدة على استخدام الإنترنت، وحُظرت أو قُيّدت صحون استقبال البث الفضائي، كما مُنع استخدام الهواتف الخلوية. وأدت هذه القيود، إلى جانب تدهور البنية التحتية الفنية، إلى اتساع الفجوة بين الفنان العراقي وما كان يشهده الوسط الموسيقي العربي والعالمي من تطور سريع في تقنيات التسجيل والانتاج والتوزيع ووسائل التواصل.
في مثل هذه البيئة، تغيب الشروط التي تتيح للمواهب أن تنمو وتتطور؛ لان الفنان مهما بلغت موهبته، يحتاج إلى أدوات حديثة، وبيئة مهنية مستقرة، وإمكانات تقنية تواكب التطورات المتسارعة في صناعة الموسيقى. ومن هنا يمكن إدراك حجم التحدي الذي واجهه فنان مثل كاظم الساهر الذي كان قد بدأ يتجاوز حدود المشهد الغنائي العراقي نحو فضاء عربي ودولي أوسع. فكيف يستطيع فنان بلغ هذا المستوى أن يطور مشروعه الفني ويحافظ على معاييره المهنية في ظل بيئة تفتقر إلى الاستوديوهات الحديثة والتقنيات المتطورة ووسائل الاتصال التي تتيح له متابعة ما يجري في العالم الموسيقي والتفاعل معه؟ والأهم من ذلك: أين يمكنه أن يجد الفضاء الفني الملائم لمشروعه في وقت كانت فيه المسارح العالمية الكبرى قد بدأت تفتح أبوابها أمامه، بينما كانت الإمكانات المحلية تضيق عن استيعاب تجربته المتنامية؟
بمقارنة بسيطة مع مصر، وهي بلد لا يختلف كثيرا عن العراق في التحديات الاقتصادية، يتجلى الفارق الصارخ في الوعي بأهمية الفن. فمصر تنظر إلى الثقافة بوصفها ركيزة من ركائز قوتها الناعمة، فتدعم المعاهد والأكاديميات الموسيقية، وتؤمّن المسارح والاستوديوهات، وتخلق بيئة تنافسية تُفرز الابداع وتحتضن المواهب.
أما في العراق، فالفنان غالبا يواجه عزلة خانقة في محيط اجتماعي مشبع بالانانية والحسد ويعاني من عدائية مَرضية تجاه كل نجاح فردي.
رُوّجت عن الساهر، على نحو مُخل، رواية لطبيب التجميل علاء بشير في كتابه (كنت طبيبا لصدام) اختزلت مغادرته بشخص عدي صدام حسين، وهي حكاية سطحية تفتقر إلى الصدق والموثوقية. ولو كان عدي هو السبب الوحيد، لكان الساهر قد عاد فور سقوط النظام ومقتل عدي، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. المشكلة بنيوية، بدأت من محيط اجتماعي وديني وسياسي معاد للفن والابداع، من مناخ عام لا يحتمل الاستثناء ولا يغفر للنجاح، أما تأثير عدي فكان في ذيل قائمة طويلة من الأسباب. والمفارقة أن النظام السابق، على الرغم من جبروته، لم يكن يتعامل مع الساهر بوصفه خصما (اقرأ مقالتي “حكاية ملعونة وصورة بشعة رسمها فنان جميل!” الجزء الأول والجزء الثاني على صفحتي).
لم ينتهِ هذا المناخ بسقوط النظام عام 2003، بل ازداد شراسة، ووُضع الساهر ومعه مئات الفنانين والمثقفين، على قوائم اتهام جائرة تحت مسمى “المطبلين للنظام السابق”. تحول العراق إلى ساحة للفوضى، هيمنت الميليشيات، واغتيلت الأصوات الثقافية والفنية والعلمية والمهنية ابتداءً بالمطرب داود القيسي وطبيب القلب محمد الراوي ومئات غيرهما بأوامر خارجية، وتواصلت التهديدات لكل من يرفع صوت الفن والجمال أو يجرؤ على الابداع.
في العراق “الجديد”، لم تُبنَ مسارح ولم تُنشأ استوديوهات، ولم تستعد الدولة أي دور يُذكر في رعاية الثقافة والفن، وبقي الفنان ذليلا مكسورا. والمسرح الوطني في بغداد شاهد فاضح على اهمال الدولة المتعمد: فنانون يعانون داخله من برد قارس في الشتاء وحر خانق في الصيف، انها صورة تختصر الإهانة الممنهجة للفن وأهله. وهناك عشرات الامثلة بل مئات من هذا النوع واسوأ منه، فكيف يُطالب كاظم الساهر بالعودة إلى بلد تُنتهك سيادته، ويُستبدل علمه بأعلام طائفية، ويُقدم فيه الولاء للخارج على الانتماء الوطني؟ كيف يعود فنان إلى وطن يهيمن عليه خطاب ديني متطرف يعادي الموسيقى ويُكفّر الفنان ولا يوفر الأمان ولا الكرامة ولا الحد الأدنى من شروط الابداع؟
كاظم الساهر لن يعود بمعزل عن عودة العراق نفسه إلى الحياة. عودته مرهونة بعودة سلطة الدولة، وسيادة القانون، واحترام الثقافة، وبناء بيئة آمنة تُقدّر الفن بوصفه ضرورة وجودية وليس ترفا. عندها، لن يحتاج الساهر إلى دعوة من احد ليعود الى وطنه.. ولن يكون وحده، سيعود معه كثيرون ممن أُجبروا على الرحيل. كاظم الساهر ليس حالة فردية، بل مرآة لواقع الفن في العراق، وعودته حين تتحقق، لن تكون حدثا فنيا عابرا، بل إعلانا عن صحوة شاملة، تليق بتاريخ هذا البلد الذي علّم العالم أولى نغماته.