محمد علي محيي الدين
في الموصل، يوم الحادي والعشرين من تشرين الثاني عام 1936، وُلد حازم نعوم عبد المسيح باك، في بيتٍ سرياني كاثوليكي عُرف بالاحترام والعمل الهادئ، حيث كان والده نعوم باك من الأسماء المعروفة في مهنة تركيب الأسنان في المدينة. وفي هذا المناخ الأسري البسيط والمستقر، بدأت تتشكل ملامح طفل سيحمل لاحقاً عيناً مختلفة ترى العالم عبر الضوء والظل، لا عبر الكلمات وحدها.
نشأ حازم في الموصل، المدينة التي تختزن طبقات من التاريخ والذاكرة، فأنهى دراسته الابتدائية والثانوية فيها، قبل أن ينتقل مع أسرته إلى بغداد في أواخر خمسينيات القرن الماضي، في مرحلة كانت فيها العاصمة العراقية تعيش تحولات اجتماعية وسياسية وثقافية واسعة، تركت أثرها العميق في جيل كامل من الفنانين والمثقفين.

كانت البذرة الأولى لشغفه بالتصوير كاميرا بسيطة أهداها له والده، لكنها كانت كافية لفتح نافذة جديدة على العالم. فمنذ تلك اللحظة لم يعد حازم مجرد شاب يمرّ في شوارع الموصل، بل أصبح شاهداً يلتقط ما يراه، يوثق الأزقة القديمة، والوجوه العابرة، والحياة اليومية التي كانت تتشكل في صمت. ومع انتقاله إلى بغداد، أخذت هذه الهواية تتحول تدريجياً إلى مشروع حياة، فبدأ يتجه نحو الاحتراف، ويدخل عالم الصحافة من بوابة الصورة.
لم يكن التصوير بالنسبة له مجرد ممارسة تقنية، بل كان علاقة يومية مع التاريخ وهو يتشكل. فقد رافقت عدسته التحولات الكبرى في العراق، وصوّر ملوك البلاد ورؤساءها على امتداد أكثر من أربعة عقود، من العهد الملكي في زمن الملك فيصل الثاني إلى عهد عبد الكريم قاسم، ثم المراحل السياسية التي تلته. كانت عدسته أشبه بسجل بصري غير مكتوب، يلتقط اللحظة قبل أن تتحول إلى ذاكرة.
ولأن شغفه لم يتوقف عند حدود الممارسة، فقد سعى إلى تطوير أدواته العلمية، فشارك في دورات تدريبية خارج العراق في فن التصوير، ونال دبلومات في التصوير الملون من بريطانيا وسويسرا وإيطاليا وألمانيا، كما حصل على شهادة أستاذ تصوير عالمي من الولايات المتحدة، في وقت كان فيه التصوير الفوتوغرافي يتحول من هواية إلى علم وتقنية وفن متكامل.
افتتح حازم باك أول استوديو يحمل اسمه في نهاية خمسينيات القرن الماضي في منطقة السعدون ببغداد، وكان ذلك الاستوديو أحد أوائل المراكز التي عرفت التصوير المهني الحديث في العاصمة. ولم يكن مجرد محل للتصوير، بل أصبح مساحة فنية يقصدها الناس لتوثيق لحظاتهم الخاصة والعامة، في زمن كانت فيه الصورة حدثاً بحد ذاته.
ومع تطور تجربته، افتتح في منتصف السبعينيات مختبراً متقدماً لطباعة الصور، كان من أوائل المختبرات الكبيرة في بغداد التي أدخلت تقنيات الطباعة الملونة الحديثة باستخدام أجهزة إيطالية ويابانية متطورة. وقد شكّل هذا المختبر محطة مهمة في تاريخ التصوير العراقي، إذ كان مقصداً لمصوري بغداد والمحافظات، لما وفره من دقة وجودة لم تكن شائعة آنذاك.
ثم عاد في بداية التسعينيات ليؤسس استوديوه الثالث في شارع العلوية قرب ساحة كهرمانة، تحت اسم “ستوديو باك للتصوير الملون”، الذي مثّل نقلة نوعية جديدة، حيث ضمّ واحدة من أكبر صالات التصوير الداخلي في بغداد، مزودة بأحدث أنظمة الإضاءة والخلفيات، في زمن كانت فيه هذه التقنيات نادرة في العراق. وقد أصبح هذا المكان مقصداً للفنانين والشخصيات العامة، ومركزاً لتصوير الاحتراف في العاصمة.
لم يكن حازم باك مصوراً فقط، بل كان أيضاً صحفياً وكاتباً ومؤرخاً للصورة، يدرك أن الفوتوغرافيا ليست مجرد لقطة، بل وثيقة. ومن هذا الوعي أصدر عدداً من الكتب المتخصصة التي أسهمت في تعليم فن التصوير ونشره، منها: “تحميض وطبع الأفلام والصور بالأبيض والأسود” عام 1978، وطبعة أخرى منقحة عام 1985، وكتاب “التصوير بالألوان للهواة والمحترفين” عام 1987، وهي مؤلفات شكلت مرجعاً عملياً لجيل من المصورين العراقيين.
ومع مرور السنوات، تحولت عدسته إلى أرشيف حيّ لذاكرة العراق البصرية، إذ لم تقتصر أعماله على الجانب الفني، بل امتدت إلى التوثيق الصحفي الذي رافق الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في البلاد، فكانت صوره جزءاً من الذاكرة العامة لا الخاصة.
وفي سنواته الأخيرة، عانى من مرض السكري الذي أثّر على صحته تدريجياً، إلى أن تعرض لجلطة دماغية حادة أنهت مسيرته في الثامن عشر من كانون الثاني عام 2001 في بغداد، عن عمر ناهز الخامسة والستين.
رحل حازم باك، لكن الصور التي تركها بقيت تتحدث عنه أكثر مما كان يمكن للكلمات أن تفعل. فقد كان واحداً من أولئك الذين لم يكتبوا التاريخ بالحبر، بل بالضوء، ولم يرووا الحكاية بالكلام، بل بالصورة التي تختصر الزمن في لحظة واحدة لا تتكرر.